أبي هلال العسكري

15

الصناعتين ، الكتابة والشعر

ولما مات الإسكندر وقف عليه بعض اليونانيين فقال : قد طالما وعظنا هذا الشخص بكلامه ، وهو اليوم لنا بسكوته أوعظ ، فنظم هذا الكلام أبو العتاهية في قوله : وكانت في حياتك لي عظات * وأنت اليوم أوعظ منك حيّا وأحسن من هذا الكلام كلّه وأبلغ قول اللّه عزّ وجلّ : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وقوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ . معناه يدلّ على اللّه بصنعته فيه ؛ فكأنه يسجد ، وإن لم يسجد ولم يقرّ بذلك . وقوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ . وقوله سبحانه : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . أي لا تفهمونه من جهة السمع ، وإن كنتم تفهمونه من جهة العقل . وقد قال بعض الهند : جمّاع « 1 » البلاغة : البصر بالحجّة ، والمعرفة بمواقع الفرصة . ومن البصر بالحجّة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان طريق الإفصاح وعرا ؛ وكانت الكناية أحصر « 2 » نفعا . وذلك مثل ما أخبرنا به أبو أحمد ، عن أبيه ، عن عسل بن ذكوان ، قال : دخل عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان على عبد الملك بن مروان ، وأراد أن يقعد معه على سريره ، فقال له عبد الملك : ما بال العرب تزعم أنّك لا تشبه أباك ؟ قال : واللّه لأنا أشبه بأبى من اللّيل بالليل ، والغراب بالغراب ، ولكن إن شئت خبّرتك عمّن لا يشبه أباه ! قال : من ذاك ؟ قال : من لم تنضجه الأرحام ، ولم يولد لتمام ، ولم يشبه الأخوال والأعمام . قال : ومن ذاك ؟ قال : سويد بن منجوف . قال عبد الملك : أكذاك أنت يا سويد ؟ قال : نعم . فلما خرجا قال عبيد اللّه لسويد : وريت بك زنادى ، واللّه ما يسرّنى بحلمك عنى حمر النعم ! قال سويد : وأنا واللّه ما يسرّنى أنك نقصته حرفا ، وإن لي سود النعم « 3 » .

--> ( 1 ) هو من كل شيء : مجتمع أصله . ( 2 ) في ا ، ب « أحضر نفعا » . ( 3 ) النعم : المال الراعي ، وأكثر ما يطلق على الإبل . والحمر : خيار الإبل .