أبي هلال العسكري

161

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الباب الرّابع في البيان عن حسن النظم وجودة الرّصف والسّبك وخلاف ذلك أجناس الكلام المنظوم ثلاثة : الرسائل ، والخطب ، والشّعر ، وجميعها تحتاج إلى حسن التأليف وجودة التركيب . وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا ، ومع سوء التأليف ورداءة الرّصف والتركيب شعبة من التّعمية ، فإذا كان المعنى سبيّا ، ووصف الكلام رديّا لم يوجد له قبول ، ولم تظهر عليه طلاوة . وإذا كان المعنى وسطا ، ورصف الكلام جيّدا كان أحسن موقعا ، وأطيب مستمعا ؛ فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائعا في المرأى وإن لم يكن مرتفعا جليلا ، وإن اختلّ نظمه فضمّت الحبّة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا . وحسن الرّصف أن توضع الألفاظ في مواضعها ، وتمكّن في أماكنها ، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير ، والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام ، ولا يعمّى المعنى ؛ وتضمّ كل لفظة منها إلى شكلها ، وتضاف إلى لفقها . وسوء الرّصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها ، وصرفها عن وجوهها ، وتغيير صيغتها ، ومخالفة الاستعمال في نظمها . وقال العتابي : الألفاظ أجساد ، والمعاني أرواح ؛ وإنما تراها بعيون القلوب ، فإذا قدّمت منها مؤخّرا ، أو أخّرت منها مقدّما أفسدت الصورة وغيّرت المعنى ؛ كما لو حوّل رأس إلى موضع يد ، أو يد إلى موضع رجل ، لتحوّلت الخلقة ، وتغيّرت الحلية . ( 11 - الصناعتين )