أبي هلال العسكري
157
الصناعتين ، الكتابة والشعر
فأمّا ما يكتبه العمال إلى الأمراء ومن فوقهم ، فإنّ سبيل ما كان واقعا منها في إنهاء الأخبار ، وتقرير صور ما يلونه من الأعمال ، ويجرى على أيديهم من صنوف الأموال أن يمدّ القول فيه حتى يبلغ غاية الشفاء والإقناع ، وتمام الشرح والاستقصاء ؛ إذ ليس للإيجاز والاقتصار عليه موضع ، ويكون ذلك بالألفاظ السهلة القريبة المأخذ ، السريعة إلى الفهم ، دون ما يقع فيه استكراه وتعقيد ، وربما تعرض الحاجة في إنهاء الخبر إلى استعمال الكناية والتّورية عن الشئ دون الإفصاح ؛ لما في التصريح من هتك السّتر ؛ في حكايته « 1 » عن عدوّ أطلق لسانه به ، وفيه اطّراح مهابة الرئيس ؛ فيجب إجلاله عنه ؛ وفي الصدق ما يسوؤه سماعه ، ويقع بخلاف محبّته ؛ فيحتاج منشئ الكلام إلى استعمال لفظ في العبارة لا تنخرق معه هيبة الرئيس ، ولا يعترض فيه ما يشتدّ عليه ، ولا يكون أيضا معها خيانة في طىّ ما لا يجب ستره ، ولا يكمل لهذا إلا المبرّز الكامل المقدّم . وسبيل ما يكتب به في باب الشكر ألّا يقع فيه إسهاب ؛ فإن إسهاب التابع في الشكر ، إذا رجع إلى خصوصية ، نوع من الإبرام « 2 » والتثقيل ؛ ولا يحسن منه أن يستعمل الإكثار من الثناء والدعاء أيضا ؛ فإن ذلك فعل الأباعد الذين لم تتقدّم لهم وسائل من الخدمة ومقدّمات في الحرمة ، أو تكون صناعتهم التكسّب بتقريظ الملوك وإطراء السلاطين . فلا يقبح إكثار الثناء من هؤلاء . وليس يحسن منه أيضا تكرير الدعاء في صدر الكتاب والرّقاع عندما يجريه من ذكر الرئيس ؛ فإن ذلك مشغلة وكلفة ، والحكم فيما يستعمله من ذلك في الكتب مشبّه بحكم ما يستعمل منه شفاها . ويقبح من خادم السلطان أن « 3 » يشغل سمعه في مخاطبته إياه بكثرة الدعاء له وتكثيره عند استئناف كلّ لفظة . وسبيل ما يكتب به التابع إلى المتبوع في معنى الاستعطاف ومسألة النّظراء
--> ( 1 ) في ا ، ط « وفي حكايته » ، وصوابه ما أثبتناه عن ب . ( 2 ) أبرمه : أمله . ( 3 ) في ط : ألا .