أبي هلال العسكري
12
الصناعتين ، الكتابة والشعر
معاني هذه القصيدة بأسرها ؛ لعادتنا بسماع مثلها ، لا لأنّا أعرف بالكلام من الأعراب . ومما يؤيّد ما قلنا من أنّ البلاغة إنما هي إيضاح المعنى وتحسين اللفظ قول بعض الحكماء : البلاغة تصحيح الأقسام ، واختيار الكلام . إلى غير ذلك مما سنذكره ونفسّره في هذا الباب إن شاء اللّه . وقال محمد بن الحنفية رضى اللّه عنه : البلاغة قول تضطرّ العقول إلى فهمه بأسهل العبارة ؛ فقوله : « تضطر العقول إلى فهمه » عبارة عن إيضاح المعنى ، وقوله : « بأسهل العبارة » تنبيه على تسهيل اللفظ وترك تنقيحه . ومثل ذلك من النثر قول بعضهم لأخ له : ابتدأتني بلطف من غير خبرة ، ثم اعقبتنى جفا من غير هفوة ، فأطمعنى أوّلك في إخائك ، وأيأسنى آخرك من وفائك ؛ فسبحان من لو شاء كشف إيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشكّ في حالك ؛ فأقمنا على ائتلاف ، أو افترقنا على اختلاف . وقول الآخر : لم يدع انقباضك عن الوفاء ، وانجذابك مع سوء الرأي في ملاحظة الهجر ، والاستمرار على العذر ، محرّكا من القلب عليك ، ولا خاطرا يومى إلى حسن الظنّ بك . هيهات انقضت مدّة الانخداع لك حين أخلفت عدة الأماني فيك ، وما وجدنا ساترا من تأنيب النّصحاء في الميل إليك ، والتوفّر عليك ؛ إلا الإقرار بطاعة الهوى ، والاعتراف بسوء الاختيار . وكتب بعض الكتّاب إلى أخ له : تأخرت عنى كتبك تأخّرا ساء له ظني ، إشفاقا من الحوادث عليك ، لا توهّما للجفاء منك ؛ إذ كنت أثق من مودّتك بما يغنيني عن معاتبتك . ومما هو في هذه الطريقة ، وهو أجزل مما تقدّم ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر ابن دريد ، عن عبد الرحمن ، عن عمه ، قال : وقف علينا أعرابي ونحن برملة اللّوى ،