أبي هلال العسكري
147
الصناعتين ، الكتابة والشعر
فذكر إخطاء الموت إياه وتجاوزه إلى غيره ؛ فجاد المعنى وحسن المستمع . وقد أحسن القائل : ولا تحسبنّ الحزن يبقى فإنه * شهاب حريق واقد ثم خامد ستألف فقدان الّذى قد فقدته * كإلفك وجدان الّذى أنت واجد فجعل ما يتطيّر منه من الفقدان لنفسه وما يستحبّ من الوجدان للممدوح ؛ وقد أساء أبو الوليد أرطاة بن شهبة ، حين أنشد عبد الملك : رأيت الدهر يأكل كلّ حىّ * كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبقى المنيّة حين تغدو * على نفس ابن آدم من مزيد وأعلم أنها ستكرّ حتّى * توفى نذرها بأبى الوليد وكان عبد الملك يكنّى أبا الوليد فتطيّر منه ، وما زال يرى كراهة شعره في وجهه حتى مات . وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام ، فتحتاج إلى أن تتوخّى فيه الصدق ، وتتحرّى الحقّ ؛ فإن الكلام حينئذ يملكك ويحوجك إلى اتّباعه والانقياد له . وينبغي أن تأخذ في طريق تسهل عليك حكايته فيها ، وتركب قافية تطيعك في استيفائك له ، كما فعل النابغة في قوله « 1 » : واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت * إلى حمام شراع وارد الثّمد « 2 » يحفّه جانبا نيق « 3 » وتتبعه * مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا أو نصفه فقد
--> ( 1 ) ديوانه : 22 . ( 2 ) فتاة الحي : زرقاء اليمامة . وشراع : مجتمعة . والثمد : هو الماء القليل . ( 3 ) النيق : أرفع موضع في الجبل .