أبي هلال العسكري
10
الصناعتين ، الكتابة والشعر
الفصل الثّانى في الإبانة عن حدّ البلاغة فنقول : البلاغة كلّ ما تبلّغ به المعنى قلب السامع فتمكّنه في نفسه كتمكّنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن . وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطا في البلاغة ؛ لأنّ الكلام إذا كانت عبارته رثّة ومعرضه خلقا لم يسمّ بليغا ، وإن كان مفهوم المعنى ، مكشوف المغزى . ألا ترى إلى معنى الكاتب الذي كتب إلى بعض معامليه : قد تأخّر الأمر فيما وعدت حمله ضحوة النهار ، والقوم غير مقيمين ، وليس لهم صبري ، وهم في الخروج آنفا ؛ فإن رأيت في إزاحة العلّة مع الجهبذ « 1 » فعلت إن شاء اللّه . فمعناه مفهوم ومغزاه معلوم ، وليس كلامه ببليغ . فهذا يدلّ على أنّ من شرط البلاغة أن يكون المعنى مفهوما واللفظ مقبولا على ما قدمناه . ومن قال : إن البلاغة إنما هي إفهام المعنى فقط ، فقد جعل الفصاحة ، واللّكنة ، والخطأ ، والصواب ، والإغلاق ، والإبانة سواء . وأيضا فلو كان الكلام الواضح السهل ، والقريب السّلس الحلو بليغا ، وما خالفه من الكلام المستبهم المستغلق والمتكلّف المتعقد أيضا بليغا لكان كلّ ذلك محمودا وممدوحا مقبولا ، لأنّ البلاغة اسم يمدح به الكلام . فلمّا رأينا أحدهما مستحسنا ، والآخر مستهجنا علمنا أنّ الذي يستحسن البليغ ، والذي يستهجن ليس ببليغ .
--> ( 1 ) الجهبذ : النقاد الخبير .