أبي هلال العسكري

133

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الباب الثالث في معرفة صنعة الكلام وترتيب الألفاظ ( فصلان ) الفصل الأوّل في كيفية نظم الكلام والقول في فضيلة الشعر وما ينبغي استعماله في تأليفه إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك ، وتنوّق له كرائم اللفظ ، واجعلها على ذكر منك ؛ ليقرب عليك تناولها ، ولا يتعبك تطلّبها ، واعمله ما دمت في شباب نشاطك ؛ فإذا غشيك الفتور ، وتخوّنك الملال فأمسك ؛ فإنّ الكثير مع الملال قليل ، والنفيس مع الضّجر خسيس ؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء ، فتجد حاجتك من الرّى ، وتنال أربك من المنفعة . فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها ، وقلّ عنك غناؤها . وينبغي أن تجرى مع الكلام معارضة ، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته ، أو معنى بديع تعلّقت بذيله ، وتحذّر أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت في تتبّعه ، ونصبت في تطلّبه ؛ ولعلك لا تلحقه على طول الطلب ، ومواصلة الدأب ؛ وقد قال الشاعر : إذا ضيّعت أول كل أمر * أبت أعجازه إلّا التواء وقالوا : ينبغي لصانع الكلام ألّا يتقدّم الكلام تقدما ، ولا يتبع ذناباه تتبّعا ، ولا يحمله على لسانه حملا ؛ فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه . وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه ، وتباعدت عنه جياده وغرره ؛ وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه ، ودخلت مساويه في محاسنه .