أبي هلال العسكري

129

الصناعتين ، الكتابة والشعر

فهذا البيت يصوّر لك هرولة الرجالة ، ووفاضها في آباطها تتقعقع . وإفاض جمع وفضة وهي الجعبة . وقول يزيد بن عمرو الطائي : ألا من رأى قومي كأنّ رجالهم * نخيل أتاها عاضد فأمالها فهذا التشبيه كأنه يصوّر لك القتلى مصروعين . وقال العتابي في السحاب : والغيم كالثوب في الآفاق منتشر * من فوقه طبق من تحته طبق تظنه مصمتا لا فتق فيه فإن * سالت عزاليه قلت الثوب منفتق إن معمع الرّعد فيه قلت منخرق * أو لألأ البرق فيه قلت محترق وينبغي أن يكون التشبيب دالّا على شدة الصبابة ، وإفراط الوجد ، والتهالك في الصبوة ، ويكون بريّا من دلائل الخشونة والجلادة ، وأمارات الإباء والعزّة . ومن أمثلة ذلك قول أبى الشيص « 1 » : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخّر عنه ولا متقدّم أجد الملامة في هواك لذيذة * حبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم * إذ كان حظّى منك حظّى منهم وأهنتنى فأهنت نفسي صاغرا * ما من يهون عليك ممّن أكرم فهذا غاية التهالك في الحب ، ونهاية الطاعة للمحبوب . ويستجاد التشبيب أيضا إذا تضمّن ذكر التشوق والتذكّر لمعاهد الأحبة ، بهبوب الرياح ، ولمع البروق ، وما يجرى مجراهما من ذكر الدّيار والآثار .

--> ( 1 ) العقد الفريد 5 : 374