أبو البقاء العكبري
543
اللباب في علل البناء والإعراب
باب الخطّ اعلم أنّ الحاجة إلى ذكر هذا الباب : أنّ الكتّاب اصطلحوا على كتابة حروف ليست في اللفظ وحذف ما هو في اللفظ وعلى قطع ما يمكن وصله ووصل ما يمكن قطعه ، فهذه أربعة أقسام ينشعب منها أكثر من ذلك ، وقد ذهب جماعة من أهل اللغة إلى كتاب الكلمة على لفظها إلّا في خطّ المصحف فإنّهم اتّبعوا في ذلك ما وجدوه في الإمام والعمل على الأوّل « 1 » .
--> ( 1 ) الخط تصوير اللفظ بحروف هجائه التي ينطق بها ، وذلك بأن يطابق المكتوب المنطوق به من الحروف . والأصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها ، بتقدير الابتداء بها والوقف عليها . وهذا أصل معتبر بالكتابة . ومن أجل ذلك كتبوا همزات الوصل في درج الكلام ، وإن لم ينطق بها ، لأنه إذا ابتديء بالكلمات ، التي هي أولها ، نطق بهمزاتها ، مثل جاء الحقّ ، وسافر ابنك " ، فإنك ، إن قدّمت وأخرت ، فقلت " الحقّ جاء ، ابنك سافر " ، نطقت بالهمزة إلّا إذا سبقت " أل " لام الجرّ أو لام الابتداء ، فتحذف همزتها ، مثل " للرّجل ، للمرأة ، للرّجل أقوى من المرأة ، وللمرأة أرقّ عاطفة منه " . وكتبوا هاء السكت في نحو " ره زيدا ، وقه نفسك " ، لأنك في الوقف تقول " ره وقه " . وكتبوا ألف " أنا " ، مع أنها لا تلفظ في درج الكلام ، لأنها إذا وقف عليها ، وقف عليها بالألف . ومن ذلك قوله تعالى لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ، لأن أصله " لكن أنا " . وكتبوا تاء التأنيث ، التي يوقف عليها بالهاء ، هاء كرحمة وفاطمة ، وكتبوا التي يوقف عليها بالتاء ، تاء كأخت وبنت ورحمات وفاطمات . ومن وقف على الأول بالتاء المبسوطة ، كتبها بالتاء كرحمت وفاطمت ومن وقف على الأخرى بالهاء ، كتبها بالهاء كرحماه وفاطماه . وكتبوا المنوّن المنصوب بالألف ، لأنه يوقف عليه بها ، مثل " رأيت خالدا " . وكتبوا " إذا " ، ونون التوكيد الخفيفة كاكتبا ، بالألف ، لأنه يوقف عليها . ومن وقف عليهما بالنون ، كتبهما بالنون ، مثل " إذن واكتبنّ " كتب كلّ ما كتب اعتبارا بحال الوقف . وكتبوا المنقوص ، الذي حذفت ياؤه للتنوين كقاض ونحوه ، بغير ياء ، لأنه يوقف عليه بها . ومن وقف على الأوّل بالياء ، أثبتها في الخط كقاضي ومن وقف على الثاني بحذفها ، حذفها من الخط كالقاض . والأول أفصح . كما مرّ في باب الوقف . وكتبوا ما لا يمكن الوقف عليه ، من الكلمات ، متصلا بما بعده ، وما لا يمكن الابتداء به ، متصلا بما قبله فالأول كحروف الجرّ الموضوعة على حرف مواحد ، مثل " لخالد ، وبالقلم . والثاني كالضمائر المتّصلة ، مثل " منكم ، وأكرمتكم " . أما الحروف التي تقع في الحشو ( أي ما بين الابتداء والوقف ) فترسم كما تلفظ ، لا يغيّر من ذلك شيء ، إلا ما كان من أمر بعض الأحرف ، في بعض كلمات محصورة ، قد خالف رسمها لفظها .