عبده الراجحي
8
التطبيق النحوي
والمتتبعون لتاريخ العربية في العصر الحديث يعلمون أنها تعرضت لخطة مدروسة تستهدف القضاء عليها من خلال القضاء على نحوها ، وظلت هذه الخطة تعمل عملها حتى وقر في أذهان الناس أن النحو العربي صار جامدا لا يساير العصر ، وأن علينا أن نبحث عن نحو جديد ، وظهرت إلى الوجود تجارب من هنا ومن هناك ماتت الواحدة منها بعد الأخرى وظل النحو العربي هو هو دون أن يصل المخططون إلى ما يبغون من القضاء عليه . على أننا لا ينبغي أن ننكر أن طريقة تدريس النحو في مدارسنا وفي جامعاتنا غير صالحة في نقل ما وضعه النحاة إلى الناشئة والدارسين ، ولعل ضعف مدرس العربية ثمرة من ثمرات التخطيط الذي أشرنا إليه منذ قليل . فالعيب - في الحق - ليس في النحو العربي ولكنه يكمن فينا نحن لا جدال . ولقد رأينا شبابا من الأوربيين يتكلمون النحو العربي ويتقنونه ويرجعون فيه إلى مصادره الأولى ، كما نرى كل يوم أعدادا لا حصر لها ممن يمارس اللغة فيتقنها كتابة وضبطا وأداء . والنحو أساس ضروري لكل دراسة للحياة العربية ؛ في الفقه والتفسير والأدب والفلسفة والتاريخ وغيرها من العلوم ، لأنك لا تستطيع أن تدرك المقصود من نص لغوى دون معرفة بالنظام الذي تسير عليه هذه اللغة . يقول عبد القاهر : « إن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها ، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها ، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه ، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه ، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر حسّه ، وإلا من غالط في الحقائق نفسه « 1 » » . ونحن نؤمن بضرورة تدريس النحو في جامعاتنا في مظانه القديمة إلى جانب الدرس التطبيقي ، ولقد كان ذلك نهج القدماء ، قدموا لنا كتبا تضم أبواب النحو ، وتوفّر عدد منهم على معالجة النصوص معالجة نحوية تطبيقية ؛
--> ( 1 ) عبد القاهر الجرجاني . دلائل الاعجاز - مطبعة المنار 1331 ه . ص 23 .