عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي

68

سر الفصاحة

كانت فصيحة هجنها ، وأذهب طلاوتها ، كيف وهي على ما تراه ؟ فأما قول أبي الطيب المتنبي : إنّي على شغفي بما في خمرها * لأعفّ عمّا في سراويلاتها « 1 » فلا شيء أقبح من ذكر السراويلات ، وما أعرف كناية - أشهد اللّه - أن التصريح أجمل منها ، ووصف عفّة سلوك الرّيب والتهم أحسن من التلفظ بها ، إلا كناية أبي الطيب هذه ، ونعته عفافه هذا النعت . ومن الألفاظ العامية أيضا قوله : خلوقية في خلوقيها * سويداء من عنب الثعلب « 2 » فإن عنب الثعلب مما أقول : إن العامية لو نظمت شعرا لترفعت عن ذكره . وليس إيرادي هذه الأمثلة على جهة الطعن على هؤلاء الشعراء الفضلاء والغض منهم ، وكيف يكون ذلك وسأورد من غرائبهم وبدائع كلامهم ما يعلم معه أننا تحت تقصير عن شأوهم ، ويقع العجز عن إدراك القريب من غاياتهم ، لكني إذا احتجت إلى إيراد الأمثلة في المختار والمنبوذ ، والمحمود والمذموم ، فلا معدل لي عن أشعارهم وتصفح نظمهم ، وأخذ ما أريده منها وإيراده عنها الصنفين معا . ومن الألفاظ العامية أيضا قول أبي تمام في رواية أبي القاسم : لو كان كلّفها عبيد حاجة * يوما لزنّى شدقما وجديلا « 3 » فزنّى في القبح يوفي على كل قبيح .

--> ( 1 ) « ديوان المتنبي » 1 / 230 . الشغف : بلوغ الحب شغاف القلب وهو غطاؤه . الخمر : ما تغطي به المرأة رأسها ، والسرابيلات : القمصان وفي « ديوانه » السرابيلات بدل : السراويلات . ( 2 ) هو من قطعة له في وصف عين باز ، يقول : إن مقلته صفراء مثل لون الخلوق وهو ضرب من الطيب أصفر اللون ، وإنسان عينه كأنه الحبة الصغيرة من عنب الثعلب . « ديوان المتنبي » ( 1 / 265 ) . ( 3 ) الضمير في - كلفها - للناقة ، وعبيد : اسم الراعي الشاعر ، وشد قم وجديل فحلان كانا للنعمان بن المنذر . « ديوان أبي تمام » 3 / 69 وفيه : لأنسي شدقما وجديلا .