عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي

57

سر الفصاحة

وقيل لزيد بن علي عليهما السّلام : الصمت أفضل أم الكلام ؟ فقال : أخزى اللّه المساكتة ، فما أفسدها للسان ! وأجلبها للحصر ، واللّه إن المماراة على ما فيها لأقل ضررا من السكتة التي تورث أدواء أيسرها العيّ . وأنت إذا سمعتهم يمدحون الصمت ، وينظمون القريض في مدحه ويذكرون جنايات اللسان وكلومه ، ويروون عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم » « 1 » ويقولون : لو كان الكلام من فضة كان الصمت من ذهب ، وأشباه هذا ونظائره فإنما يريدون الكلام الذي ليس بجميل ، واللفظ الذي لا يستحسن ، فأما أن يكون الحسن يتواتر حتى يصير قبيحا ، والقبيح يتضاعف حتى يكون حسنا ، فهذا شيء خارج عن حد العقل ونظامه ، وليس هذا المذهب مما يمكن وقوع الخلاف فيه ، فيحتاج إلى إطالة في بيانه ، وقد أوردنا لمحة يستدل بها على غيرها ، وإن المذكور في هذا النحو لا ينحصر ولا تستوفى غايته . وأقول قبل كلامي في الفصاحة وبيانها : إنني لم أر أقلّ من العارفين بهذه الصناعة ، والمطبوعين على فهمها ونقدها ، مع كثرة من يدعي ذلك ويتحلّى به ، وينتسب إلى أهله ، ويماري أصحابه في المجالس ، ويجاري أربابه في المحافل ، وقد كنت أظن أن هذا شيء مقصور على زماننا اليوم ، ومعروف في بلادنا هذه ، حتى وجدت هذا الدّاء قد أعيا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي ، وأبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قبله ، وأشكاهما حتى ذكراه في كتبهما ، فعلمت أن العادة به جارية ، والرّزيّة فيه قديمة ، ولمّا ذكرته رجوت الانتفاع به من هذا الكتاب ، وأمّلت وقوع الفائدة به ، إذ كان النقص فيما أبنته شاملا ، والجهل به عامّا ، والعارفون حقيقته قرحة الأدهم « 2 » بالإضافة إلى غيرهم ، والنسبة إلى سواهم .

--> ( 1 ) أخرجه عبد الرزاق ( 20303 ) وأحمد ( 5 / 231 ) وابن ماجة ( 3973 ) والألباني في « الإرواء » ( 413 ) وغيرهم . ( 2 ) الأدهم : الأسود من الخيل ، والقرحة : بياض في وجهه دون الغرة .