عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي

40

سر الفصاحة

كقولهم : له إحسان ونعمة ، ومعنى الحلول ، كما يقال : له طعم ولون ، وما يحتمل أمورا مختلفة لا يجوز أن يحدّ به في الموضع الذي يقصد فيه التمييز وكشف الغرض . ولما كنا قد ذكرنا طرفا من القول في حقيقة الكلام والمتكلم فيحتاج إلى نبذ من الكلام في الحكاية والمحكى ، ليكون هذا الفصل مقنعا فيما وضع له ، والذي كان يذهب إليه أبو الهذيل محمد بن الهذيل « 1 » وأبو علي محمد بن عبد الوهاب « 2 » أن الحكاية هي المحكى ، وأن التالي للقرآن يستمع منه كلام اللّه على الحقيقة ، وأن البقاء يجوز على الكلام ويوجد في الحال الواحدة في الأماكن الكثيرة ، فيوجد مع الصوت مسموعا ، ومع الكتابة مكتوبا ، ومع الحفظ محفوظا ، ويجري في وجوده في الأماكن الكثيرة في الوقت الواحد ، والأجسام إنما توجد في الأماكن على البدل ، ثم قال أبو علي بعد ذلك : إن التالي للقرآن يوجد مع تلاوته كلامان : أحدهما من فعله ، والآخر : هو كلام اللّه تعالى ، والذي كان يقوله أبو هاشم - وقد ذهب إليه قبله جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر - : إن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه ، ولا يجوز عليه البقاء ، ولا يوجد إلا في المحل الواحد ، والحكاية غير المحكى وإن كانت مثله ، والقارئ لا يسمع منه إلا ما فعله ، والقراءة غير المقروء ، والكتابة غير الكلام ، وإنما هي أمارات للحروف ، والحفظ هو العلم بكيفية الكلام ونظمه ، وعلى هذا القول أكثر الشيوخ ، وهو الصحيح الذي لا شبهة فيه ، والذي يدل على أننا قد بينا فيما تقدم أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه بما لا فائدة في إعادته ، وأما الصوت فلا شبهة في أنه غير باق لما بيناه أيضا ، وإذا كان الكلام هو الصوت - والصوت لا يجوز عليه البقاء - فكيف يقال : إنه يوجد معها

--> ( 1 ) هو محمد بن الهذيل بن عبد اللّه بن مكحول العبدي ، مولى عبد القيس أبو الهذيل العلاف ، من أئمة المعتزلة . ولد بالبصرة سنة 135 هجرية ، اشتهر بعلم الكلام . قال عنه المأمون : أطل أبو هذيل على الكلام كإطلال الغمام على الأنام ، له مقالات في الاعتزال ومجالس ومناظرات . وكان حسن الجدل ، قوي الحجة ، كف بصره في آخر عمره وتوفي بسامراء سنة 235 هجرية . ( 2 ) سبق ترجمته ، وهو أبو علي الجبّائي .