عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي
12
سر الفصاحة
والقول الثاني : إن وجه الإعجاز في القرآن صرف العرب عن المعارضة « 1 » مع أن فصاحة القرآن كانت في مقدورهم لولا الصرف ، وأمر القائل بهذا يجري مجرى الأول في الحاجة إلى تحقيق الفصاحة ما هي ؟ ليقطع على أنها كانت في مقدورهم ، ومن جنس فصاحتهم ، ونعلم أن مسيلمة « 2 » وغيره لم يأت بمعارضة على الحقيقة ، لأن الكلام الذي أورده خال من الفصاحة التي وقع التحدي بها في الأسلوب المخصوص . وإذا ثبت بما ذكرناه الغرض بهذا الكتاب ، وفائدته ، فالدواعي إلى معرفة ذلك قوية ، والحاجة ماسة شديدة . ونحن نذكر قبل الكلام في معنى الفصاحة نبذا من أحكام الأصوات والتنبيه على حقيقتها ، ثم نذكر تقطّعها على وجه يكون حروفا متميزة ، ونشير إلى طرف من أحوال الحروف في مخارجها ، ثم ندل على أن الكلام ما انتظم منها ، ثم نتبع ذلك بحال اللغة العربية وما فيها من الحروف ، وكيف يقع المهمل فيها والمستعمل ، وهل اللغة في الأصل مواضعة أو توقيف ، ثم نبين بعد هذا كله وأشباهه مائية الفصاحة ، ولا نخلي ذلك الفصل من شعر فصيح ، وكلام غريب بليغ ، يتدرّب بتأمله على فهم مرادنا ، فإن الأمثلة توضح وتكشف ، وتخرج من اللبس إلى البيان ، ومن جانب الإبهام إلى الإفصاح ، فإذا أعان اللّه تعالى ويسر تمام كتابنا هذا كان مفردا بغير نظير من الكتب في معناه . وذلك أن المتكلمين وإن صنفوا في الأصوات وأحكامها وحقيقة الكلام ما هو ؟ فلم يبينوا مخارج الحروف ، وانقسام أصنافها ، وأحكام مجهورها ومهموسها ، وشديدها ورخوها ، وأصحاب النحو وإن أحكموا بيان ذلك ، فلم يذكروا ما أوضحه المتكلمون الذي هو الأصل والأسّ ، وأهل نقد الكلام « 3 » فلم يتعرضوا لشيء من جميع ذلك ، وإن كان كلامهم كالفرع عليه . فإذا جمع كتابنا هذا كله ، وأخذ بحظ مقنع من كل ما يحتاج الناظر في هذا العلم إليه ، فهو منفرد في بابه ، غريب في غرضه ، وفق اللّه تعالى ذلك ، ويسره بلطفه ومنّه .
--> ( 1 ) هذا هو قول إبراهيم بن سيار المعروف بالنظام ، المتوفى سنة 221 ه . ( 2 ) مسيلمة الكذّاب الذي ادّعى النبوّة . ( 3 ) هم علماء البلاغة .