محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )

455

الأصول في النحو

ولا قاصر عنك مأمورها غير قولك منهيها ثم قال : وجره قوم فجعلوا المأمور للمنهي والمنهي هو الأمور ؛ لأنه من الأمور وهو بعضها فأجراه وأنثه كما قال جرير : إذا بعض السّنين تعرّقتنا * كفى الأيتام فقد أبى اليتيم « 1 »

--> ( 1 ) الشاهد : هو أنّ " بعضا " اكتسب التأنيث ممّا بعده بالإضافة ؛ ولهذا قال " تقرّقتنا " بالتأنيث . قال ابن جنّي في " سرّ الصناعة " عندما أنشد قول الشاعر : " البسيط " سائل بني أسد ما هذه الصّوت إنّما أنّثه لأنّه أراد الاستغاثة . وهذا من قبيح الضرورة ، أعني تانيث المذكّر ؛ لأنّ التذكير هو الأصل ، بدلالة أنّ الشيء مذكّر وهو يقع على المذكّر والمؤنث ، فعلمت بهذا عموم التذكير وأنّه هو الأصل الذي لا ينكسر . ونظير هذا في الشذوذ قوله - وهو من أبيات الكتاب - : إذا بعض السنين تعرّقتنا * كفى الأيتام فقد أبي اليتيم وهذا أسهل من تأنيث الصّوت قليلا ، لأنّ بعض السنين سنة ، وهي مؤنثة ، وهي من لفظ السنين ؛ وليس الصّوت بعض الاستغاثة ولا من لفظها . انتهى . وزاد المبرّد في " الكامل " على هذا الوجه وجها آخر فقال : قوله : إذا بعض السنين تعرّقتنا * كفى الأيتام فقد أبي اليتيم يفسّر على وجهين : أن يكون ذهب إلى أنّ بعض السّنين يؤنّث لأنّه سنة وسنون . والأجود أن يكون الخبر في المعنى عن المضاف إليه فأقحم المضاف إليه توكيدا ، لأنّه " غير " خارج من المعنى . وفي كتاب اللّه عز وجلّ : " فظلت أعناقهم لها خاضعين " والخضوع بيّن في الأعناق ، فأخبر عنهم فأقحم الأعناق توكيدا - وكان أبو زيد الأنصاريّ يقول : أعناقهم : جماعتهم - والأوّل قول عامّة النّحويّين . انتهى المراد منه . و " بغض " : فاعل فعل محذوف يفسّره " تعرّقتنا " المذكور ؛ يقال تعرقت العظم : إذا أكلت ما عليه من اللّحم . يريد أنها أذهبت أموالنا ومواشينا . و " السّنة " هنا : القحط والجدب : ضدّ الخصب والرّخاء . و " كفى " بمعنى أغنى يتعدّى إلى مفعولين ، أوّلهما " الأيتام " وثانيهما " فقد " ، ومصدره الكفاية ، قال تعالى : " وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ " أي : كفى الأيتام فقد آبائهم ، لأنّه أنفق عليهم وأعطاهم ما يحتاجون إلأيه ، وكان في الكفاية لهم الحراسة والتّفقدّ لأحوالهم بمنزلة آبائهم . وأراد أن يقول : كفى الأيتام فقد أبائهم فلم يمكنه فقال : فقد أبي اليتيم ؛ لأنّه ذكر الأيتام أوّلا ، ولكنّه أفرد حملا على المعنى ؛ لأنّ الأيتام هنا اسم جنس ، فواحدها ينوب مناب جمعها ، وبالعكس . وكان المقام مقام الإضمار فأتى بالاسم الظاهر . وهذا البيت من قصيدة لجرير مدح بها هشام بن عبد الملك بن مروان . انظر خزانة الأدب 2 / 31 .