محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )

366

الأصول في النحو

لأن رجلا في موضع الجمع ولا يقع المعروف هذا الموضع ؛ لأنه شيء قد عرف بعينه ألا ترى أنك تقول : عشرون درهما ولا تقول : عشرون الدرهم . وقال سيبويه : إذا قلت : ما أتاني من رجل أكدت بمن ؛ لأنه موضع تبعيض فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس وكذلك : ويحه من رجل إنما أراد أن يجعل التعجب من بعض الرجال وكذلك : لي ملؤه من عسل وقال كذلك : أفضل من زيد . إنما أراد أن يفضله على بعض ولا يعم وجعل زيدا الموضع الذي ارتفع منه أو سفل منه في قولك : شر من زيد وكذلك إذا قال : أخزى اللّه الكاذبين مني ومنك إلا أن هذا وأفضل لا يستغني عن ( من ) فيهما لأنها توصل الأمر إلى ما بعدها وقال : وتقول : رأيته من ذلك الموضع فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء وأما ( إلى ) فهي للمنتهى تقول : سرت إلى موضع كذا فهي منتهى سيرك ، وإذا كتبت من فلان إلى فلان فهو النهاية فمن الابتداء وإلى الانتهاء وجائز أن تقول : سرت إلى الكوفة وقد دخلت الكوفة وجائز أن تكون بلغتها ولم تدخلها ؛ لأن ( إلى ) نهاية فهي تقع على أول الحد وجائز أن تتوغل في المكان ولكن تمتنع من مجاوزته ؛ لأن النهاية غاية . قال أبو بكر : وهذا كلام يخلط معنى ( من ) بمعنى ( إلى ) فإنما ( إلى ) للغاية و ( من ) لابتداء الغاية وحقيقة هذه المسألة : أنك إذا قلت : رأيت الهلال من موضعي ( فمن ) لك ، وإذا قلت : رأيت الهلال من خلال السحاب ( فمن ) للهلال والهلال غاية لرؤيتك فكذلك جعل سيبويه ( من ) غاية في قولك : رأيته من ذلك الموضع وهي عنده ابتداء غاية إذا كانت ( إلى ) معها مذكورة أو منوية فإذا استغنى الكلام عن ( إلى ) ولم يكن يقتضيها جعلها غاية ويدل على ذلك قوله : ما رأيته مذ يومين فجعلتها غاية كما قلت : أخذته من ذلك المكان فجعلته غاية ولم ترد منتهى أي : لم ترد ابتداء له منتهى . أي : استغنى الكلام دون ذكر المنتهى وهذا المعنى أراد واللّه أعلم وهذه المسألة ونحوها إنما تكون في الأفعال المتعدية نحو : رأيت وسمعت وشممت وأخذت .