محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )
10
الأصول في النحو
أسماء جميع المخلوقات بجميع اللّغات : العربية والفارسية والسريانية والعبرانية والرّومية وغير ذلك من سائر اللغات ، فكان آدم وولده يتكلمون بها ثم إن ولده تفرّقوا في الدنيا وعلق كلّ واحد منهم بلغة من تلك اللغات فغلبت عليه واضمحلّ عنه ما سواها لبعد عهدهم بها . وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقيه باعتقاده والانطواء على القول به . فإن قيل : فاللغة فيها أسماء وأفعال وحروف وليس يجوز أن يكون المعلّم من ذلك الأسماء وحدها دون غيرها مما ليس بأسماء ، فكيف خصّ الأسماء وحدّها ؟ قيل : اعتمد ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القبل الثلاثة ، ولا بد لكل كلام مفيد منفرد من الاسم ، وقد تستغني الجملة المستقلة عن كل واحد من الفعل والحرف ، فلما كانت الأسماء من القوّة والأوليّة في النفس والرتبة على ما لا خفاء به جاز أن يكتفى بها عمّا هو تال لها ومحمول في الحاجة إليه عليها . قال : ثم لنعد فلنقل في الاعتلال لمن قال بأنّ اللغة لا تكون وحيا ، وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بدّ فيه من المواضعة . قالوا : وذلك بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا إذا ذكر عرف به ما مسمّاه ؛ ليمتاز عن غيره وليغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين ، فيكون ذلك أقرب وأخفّ وأسهل من تكلّف إحضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله ، بل قد يحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره ولا إدناؤه كالفاني ، وحال اجتماع الضدّين على المحلّ الواحد ، وكيف يكون ذلك لو جاز وغير هذا مما هو جار في الاستحالة والتّعذّر مجراه ، فكأنهم جاؤوا إلى واحد من بني آدم فأومؤوا إليه وقالوا : إنسان ، فأيّ وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق ، وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك فقالوا : يد عين رأس قدم ، أو نحو ذلك ، فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معنيّها ، وهلمّ جرّا فيما سوى ذلك من الأسماء والأفعال والحروف .