محمود فجال
19
الحديث النبوي في النحو العربي
والفصاحة ، ثم هم مختلفون في ذلك على تفاوت ما بين طبقاتهم في اللغات ، وعلى اختلاف مواطنهم ، فمنهم الفصيح والأفصح ، ومنهم الجافي والمضطرب ، ومنهم ذو اللوثة ، والخالص في منطقه ، إلى ما كان من اشتراك اللغات وانفرادها بينهم ، وتخصص بعض القبائل بأوضاع ، وصيغ مقصورة عليهم ، لا يساهمهم فيها غيرهم من العرب ، إلا من خالطهم ، أو دنا منهم دنوّ المأخذ . فكان - صلّى اللّه عليه وسلّم - يعلم كل ذلك على حقّه ، كأنما تكاشفه أوضاع اللغة بأسرارها ، وتبادره بحقائقها ؛ فيخاطب كلّ قوم بلحنهم ، وعلى مذهبهم ، ثم لا يكون إلا أفصحهم خطابا ، وأسدّهم لفظا ، وأبينهم عبارة ، ولم يعرف ذلك لغيره من العرب ، ولو عرف لنقلوه وتحدثوا به ، واستفاض فيهم . ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم ، أو تلقين ، أو رواية ، عن أحياء العرب ، حيّا بعد حي ، وقبيلا بعد قبيل ، حتى يفلي لغاتهم ، ويتتبع مناطقهم ، مستفرغا في ذلك ، متوفّرا عليه ، ومعلوم أنه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لم يتهيأ له شيء من ذلك . . . والذي خص به النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - من ذلك قد كان توفيقا وإلهاما من اللّه ، فقد علمه اللّه أشياء كثيرة لم يكن يعلمها ، حتى لا يعيا بقوم إن وردوا عليه ، ولا يحصر إن سألوه ، ويكون في كل قبيل منهم ؛ لتكون الحجة به أظهر ، والبرهان على رسالته أوضح ، وذلك خاص له من دون العرب . فهذه واحدة . وأما الثانية فقد كان - صلّى اللّه عليه وسلّم - في اللغة القرشية التي هي أفصح اللغات وألينها ، بالمنزلة التي لا يدافع عليها ، ولا ينافس فيها ، وكان من ذلك في أقصى النهاية ، وإنما فضلهم بقوة الفطرة ، واستمرارها وتمكنها ، مع صفاء الحسّ ، ونفاذ البصيرة ، واستقامة الأمر كله ، بحيث يصرّف اللغة تصريفا ، ويديرها على أوضاعها ، ويشقق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا يكون لهم إلا القليل منه ؛ لأن القوة على الوضع ، والكفاية في تشقيق اللغة وتصاريف الكلام ، لا تكون في أهل الفطرة مزاولة ومعاناة ، ولا بعد نظر فيها ، وارتياض لها ، إنما هي إلهام بمقدار ، تهيّء له الفطرة القوية ، وتعين عليه النفس المجتمعة ، والذهن الحادّ ، والبصر النفّاذ ، فعلى حسب ما يكون