محمود فجال

175

الحديث النبوي في النحو العربي

وقال « ابن مالك » في « شواهد التوضيح » : 65 : تضمن هذا الحديث ثبوت خبر المبتدأ بعد « لولا » ، وهو مما خفي على النحويين إلّا « الرماني » و « الشجري » . وقد يسرت لي في هذه المسألة زيادة على ما ذكراه . فأقول - وباللّه أستعين - : إن المبتدأ المذكور بعد « لولا » على ثلاثة أضرب : ( 1 ) مخبر عنه بكون غير مقيّد . ( 2 ) ومخبر عنه بكون مقيّد ، لا يدرك معناه عند حذفه . ( 3 ) ومخبر عنه بكون مقيّد ، يدرك معناه عند حذفه . فالأول ، نحو : ( لولا زيد لزارنا عمرو ) ، فمثل هذا يلزم حذف خبره ، لأن المعنى : لولا زيد ، على كل حال من أحواله ، لزارنا عمرو . فلم تكن حال من أحواله أولى بالذكر من غيرها ، فلزم الحذف لذلك ، ولما في الجملة من الاستطالة المحوجة

--> - وبالجملة من أمعن النظر في أئمة الحديث ، وعلم احتياطهم ، وما كانوا عليه من التحرز في الرواية بالمعنى والإتقان علم علما ضروريا أن مثل « البخاري » و « مسلم » لم يدخلوا في صحاحهم ما هو مروى بالمعنى أصلا ، فأنت ترى « مسلما » كيف يتحرز في « صحيحه » في ألفاظ شيوخه ، إذا روى عن جماعة كلهم عن واحد ، وتختلف عباراتهم في التحديث ، والإخبار ، فيقول : قال فلان : حدثنا ، وقال فلان : أخبرنا ، مع أنهم صرحوا باتحاد التحديث والإخبار ، ومع ذلك يحتاط في ألفاظهم ، فضلا عن ألفاظ الحديث . فالقول بأن مثل هؤلاء يروون بالمعنى مع هذا التحفظ البالغ ، والاحتياط الخارج عن الطوق بعيد جدا . والذي تدل له الاصطلاحات وهو الظاهر أنهم يجيزون الرواية بالمعنى ، في نحو الوعظ ، والتقرير باللسان . وأما ما يثبتونه في الدواوين فلا معنى للقول فيه بالرواية بالمعنى ، ولا سيما مع عدم التنبيه عليه ، ولا ذكر الشروط المشروطة ممن يقول به ، ويميل إليه . ثم اعتناؤهم في الروايات والجمع بينها ، وضبطها والوقوف عندها من غير إقدام على تبديلها ، ولا اجتراء على إبطالها ظاهر في أن المقصود الألفاظ حتى إنهم لا يغيرون لغة ضعيفة لأخرى مشهورة ، بل صرحوا بإبقاء الألفاظ على ما هي عليه ، ولو كانت ملحونة غير صالحة . وأجازوا قراءتها على القواعد دون تغييرها وإصلاحها . فلو كان المعتمد هو الرواية بالمعنى دون الألفاظ ما أبقوا ذلك ، ولا أجازوه ولا تركوا الألفاظ التي ظاهرها اللحن والتصحيف مثبتة ، بل يصلحون ذلك اعتمادا على ما اختاروه من أن المقصود المعنى ، على أنا نجدهم يتأولون ذلك ، ويخرّجونه على الوجوه البعيدة ، ويتكلفون له أكثر مما يتكلفون للآي القرآنية . وكونهم يعتنون هذا الاعتناء بمجرد كلام الرواة اللحانين المغيرين لأصل الأحاديث مما لا معنى له مع تنصيصهم على إبقاء اللحن في مواضعه ، وعدم إصلاحه . واللّه أعلم .