علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
354
الممتع في التصريف
[ الأحقاف : 31 ] . فإن سكن ما قبل الراء أدغمها في اللّام في موضع الرفع والخفض نحو : حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ [ الإنسان : 1 ] . ولا يدغم إذا كانت الراء مفتوحة كقوله : مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ [ يوسف : 21 ] ، و الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ [ النمل : 44 ] وأمثال ذلك وفصله بين الراء المفتوحة وغيرها إذا سكن ما قبلها دليل على أنّ ذلك ليس بإدغام ، وإنما هو روم لا إدغام ، والرّوم لا يتصوّر في المفتوح . وهذا مخالف لما ذكره سيبويه من أنّ الراء لا تدغم في مقاربها لما فيها من التكرار ، وهو القياس ، ولم يحفظ سيبويه الإدغام في ذلك . وروى أبو بكر بن مجاهد عن أحمد بن يحيى عن أصحابه عن الفرّاء أنه قال : كان أبو عمرو يروي عن العرب إدغام الراء في اللّام . وقد أجازه الكسائيّ أيضا ، وله وجية من القياس ، وهو أنّ الراء إذا أدغمت في اللّام صارت لاما ، ولفظ اللّام أسهل من الراء لعدم التكرار فيها ، وإذا لم تدغم الراء كان في ذلك ثقل ، لأنّ الراء فيها تكرار فكأنها راءان ، واللّام قريبة من الراء ، فتصير كأنك قد أتيت بثلاثة أحرف من جنس واحد . ومن ذلك قراءة أبي عمرو : الشمس سراجا [ نوح : 16 ] ، بإدغام السين في السين ، و لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ [ النحل : 62 ] ، بإدغام الضاد في الشين ، و وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 133 ] ، بإدغام النون في اللّام ، و مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ [ هود : 66 ] ، و فَهِيَ يَوْمَئِذٍ [ الحاقة : 16 ] ، بإدغام الياء في الياء . جميع ذلك ينبغي أن يحمل على الإخفاء ، لما في الإدغام من الجمع بين ساكنين ، وليس الأول حرف مدّ ولين . وأيضا فإنّ الضاد لا تدغم في الشين . وأما وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] ، بإدغام السين في الشين فإنّ الرواية عن أبي عمرو اختلفت في ذلك : فمنهم من روى أنه أدغم ، ومنهم من روى أنه منع . والذي عليه البصريّون أنّ إدغام السين في الشين لا يجوز . وأيضا فإنّ الإدغام يؤدّي إلى الجمع بين ساكنين ، وليس الأول حرف مدّ ولين . ومن ذلك ما روي عنه من أنه قرأ إِلهَهُ هَواهُ [ الفرقان : 43 ] وأمثاله بإدغام الهاء في الهاء ، وبين الهائين فاصل وهو الواو التي هي صلة الضمير ، فحذف الصّلة وأدغم . وإدغام هذا مخالف للقياس ، لأنّ هذه الواو إنما تحذف في الوقف . وأما في الوصل فتثبت . وأنت إذا أدغمت في حال وصل فينبغي ألّا تحذفها . وإذا لم تحذفها لم يمكن الإدغام . لكن وجه ذلك أمران : أحدهما تشبيه الإدغام بالوقف ، في أنّ الابدغام يوجب التسكين للأول كما أنّ الوقف يوجب له ذلك . فحذف الواو في الإدغام على حدّ حذفها في الوقف ، فساغ الإدغام .