علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
278
الممتع في التصريف
أنّ انقلاب الواو إلى الياء أكثر من انقلاب الياء إلى الواو ، وإلّا فليس ذلك بقياس ، أعني : قلب الأخفّ ، وهو الياء ، إلى الأثقل وهو الواو . ولولا ما ورد السماع به لم يقل . لكنّ الذي لحظت العرب من ذلك واللّه أعلم - ما ذكرنا . وإنما خصّوا بها الفعل المعتلّ اللام دون المعتلّ العين أو الفاء ، لأنها أقبل للتغيير ، لتأخّرها وضعفها . و « الشّروى » من شريت ، و « التّقوى » من « وقيت » ، و « الفتوى » من ذوات الياء بدليل قولهم « الفتيا » بالياء . ولا تحمل « الفتيا » على « القصيا » ، أعني مما قلبت فيه الواو ياء ، لأنه لا نعلم لها أصلا في الواو . ومع هذا فإنّ « الفتيا » تقوية لنفس المستفتي ، فهو من معنى « الفتى » و « الفتاء » . أو يكون الاسم على وزن « فعلى » وتكون لامه واوا ، فإنّ العرب تبدل من الواو ياء في الاسم ، وذلك نحو « العليا » و « الدّنيا » و « القصيا » . الأصل فيها « الدّنوى » و « العلوي » و « القصوى » فقلبت الواو ياء ، والدليل على ذلك أنّ « الدّنيا » من الدنوّ ، و « العليا » من « علوت » ، وأنهم قد قالوا في « القصيا » : « القصوى » فأظهروا الواو . فإن قال قائل : فإنّ « القصيا » و « العليا » و « الدّنيا » صفات ؟ . فالجواب : أنها قد استعملت استعمال الأسماء في ولايتها العوامل وترك إجرائها تابعة . فلذلك قلبت فيها الواو ياء . فإن كانت صفة بقيت على لفظها ولم تقلب الواو ياء ، نحو « خذ الحلوى وأعطه المرّى » . وقد شذّ من « فعلى » الاسم شيء ، فلم تقلب فيه الواو ياء . وذلك « القصوى » و « حزوى » اسم موضع . وكأنّ « القصوى » « 1 » - واللّه أعلم - إنما صحّت فيه الواو تنبيها على أنه في الأصل صفة . وإنما قلبت الواو ياء في الاسم دون الصفة ، فرقا بين الاسم والصفة . وكان التغيير هنا في الاسم دون الصفة ، كما كان التغيير في « فعلى » من الياء في الاسم دون الصفة ، ليكون قلب الواو هنا ياء كالعوض من قلب الياء هنالك واوا . وهذا أحسن . أعني قلب الواو إلى الياء ، لأنّ في ذلك تخفيفا للثقل ، لأنّ الياء أخفّ من الواو . وهو مع ذلك على غير قياس ، لأنه قلب لغير موجب ، ولولا ورود السّماع بذلك ما قيل .
--> ( 1 ) القصوى : طرف الوادي . انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة ( قصا ) .