فخر الدين قباوه
20
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر
على أن هذا كله لا يعفي الباحث من المحاولة الهادفة الجادة ، التي تتلمس الجوانب المختلفة ، لتخرج منها بخيط دقيق ينتظمها ويؤلف بينها ، ويفسر مظاهرها وخفاياها ، ويقدّم للعلم خدمة متواضعة ، تفتح السّبل أمام الباحثين والدارسين والعلماء . ولذا أراني أتصفح حركة الدراسات اللغوية ، لأتبين ذلك الخيط الموحّد المفسّر ، وأضعه بين أيدي زملائي الكرام للبحث والمناقشة والاختبار ، واثقا أنهم يفتحون قلوبهم لمثل هذه المحاولات ، ويشتركون في تنميتها لتحقيق أهدافها ، ويزوّدونها بالخبرة والتجربة والمعرفة مما يحملونه . نزعة إلى التحقيق نشأت الدراسة اللغوية في مدينتي البصرة والكوفة ، ثم تشعبت في بغداد ، امتدادا لما تقدم . بل إن بذور هذه الحركة ببغداد نثرها رجالات وفدوا من تينك المدينتين ، كالمفضّل الضّبّي ، والخليل بن أحمد ، وسيبويه ، والكسائي ، والفراء ، والأصمعي ، وأبي عبيدة ؛ . . فكانت ثمارها كثيرة الشّبه بما شاع فيهما من قبل . ومن أشبه أباه فما ظلم . بيد أن حاضرة الخلافة العباسية لم تعدم لونا لغويا ، تميزت به ، وغذته بلبانها ، فشبّ في ربوعها ، ثم امتدت شعابه في بقاع العالم الإسلامي ، آية شكر للكوفة والبصرة ، وسائر المدن التي أمدت بغداد بالطلبة والمعلمين والباحثين والعلماء . ذلك اللون هو الميل إلى تنقية التراث اللغوي ، بواسطة التدقيق والتوثيق والتصويب ، أو ما نسميه اختصارا بالتحقيق . إنه نزعة إلى الاختبار والتحليل والتركيب ، تتناول المصادر اللغوية القديمة وقيمتها العلمية والأدلة المعتمدة والمقدمات والنتائج ، وتتعقب الاتجاهات والأقوال والمذاهب ، لتقوّم اعوجاجها وتوجهها نحو الصواب ، بالاعتماد على الدليل والبرهان .