عثمان بن جني ( ابن جني )

77

سر صناعة الإعراب

فإن قلت : فعلام تجيز كون من شرطا وقد قدّمت قبح ذلك ؟ فالجواب : أن جواز ذلك على أن تجعل « علموا » نفسها قسما ، وقد استعملتها العرب بمعنى القسم ، ومن أبيات الكتاب « 1 » : ولقد علمت لتأتينّ منيّتي * إنّ المنايا لا تطيش سهامها « 2 » فكأنه قال : واللّه لتأتينّ منيّتي . فإن قلت : فإذا جعلت علموا جاريا مجرى القسم بما ذكرته ، وعندك أن اللام في لقد دالة على القسم المحذوف ، فكأنه عندك : واللّه لقد علموا ، وقوله : لَقَدْ عَلِمُوا جار مجرى القسم ، فكيف يجوز على هذا دخول القسم على القسم ، أولا ترى أن سيبويه والخليل « 3 » ذهبا في قوله تعالى ذكره : وَالشَّمْسِ وَضُحاها . وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ( الشمس : 1 ، 2 ) « 4 » أن جميع ما بعد الواو الأولى من الواوات إنما هو واو عطف ، وليس بواو قسم لئلا يدخل قسم على قسم ، فيبقى الأول منهما غير مجاب ؟ فالجواب : أن ذلك إنما جاز في علموا من حيث كان إنما هو في معنى القسم ، وليس قسما صريحا ، وإنما هو بمنزلة أشهد لقد كان كذا ، وما جرى مجرى هذا مما ليس بقسم محض ، فلأجل هذا جاز أن تكون من في قوله سبحانه : لَمَنِ اشْتَراهُ شرطا ، واللام في أولها مؤكدة للشرط ، فاعرف ذلك إن شاء اللّه . وذهب أبو إسحاق في قوله جل ثناؤه : يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ( الحج : 13 ) « 5 » إلى أن التقدير : يدعو من لضرّه أقرب من نفعه .

--> ( 1 ) نسب البيت صاحب الكتاب إلى لبيد بن ربيعة العامري وهو مذكور في معلقته ( 1 / 456 ) . ( 2 ) الشاهد فيه وشرحه . انظر / شذور الذهب ( ص 365 ) شاهد 185 . ( 3 ) الكتاب ( 2 / 146 ) والآية التي ذكرها سيبويه في هذه المسألة قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( الليل : 1 - 3 ) . ( 4 ) الأسلوب إنشائي في صورة قسم غرضه التوكيد . والشاهد في الآية أن جميع الواو حرف عطف . ( 5 ) أي يدعو آلهة لضرها في الآخرة أقرب من نفعها . والشاهد فيه تقديم اللام عن موضعها ، والتقدير يدعو من لضره أقرب من نفعه . وهذا رأي البصريين والكوفيين .