عثمان بن جني ( ابن جني )
68
سر صناعة الإعراب
وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن سليمان عن ابن أخت أبي الوزير عن ابن الأعرابي « 1 » : فإنما أنت أخ لا نعدمه أي : لا نعدمه ، فنقل ضمة الهاء إلى الميم ، كما قال الآخر « 2 » : عجبت والدهر كثير عجبه * من عنزيّ سبّني لم أضربه « 3 » أي : لم أضربه ، وهذا واسع عنهم كثير . وكما أن لام الجر قد تفتح مع المظهر في ما حكيناه من قراءة سعيد بن جبير : وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ « 4 » وغير ذلك ، فكذلك قد فتحت لام الأمر في ما حكيناه عن الفراء من قولهم : ليقم زيد . والعلة في فتح هاتين اللامين في هذه المواضع القليلة أن أصل حركتهما الفتح ، فربما خرجتا على أصلهما . واعلم أن هذه اللام الجازمة لا تضمر إلا في ضرورة الشعر ، كما أن حرف الجر لا يحذف إلا في الضرورة . قرأت على أبي علي ، قال : أنشد أبو زيد « 5 » : فتضحي صريعا ما تجيب لدعوة * ولا تسمع الداعي ويسمعك من دعا « 6 » أي : وليسمعك .
--> ( 1 ) ابن الأعرابي : البيت نسبه صاحب مجالس ثعلب إلى أبي محمد الحذلمي ( ص 195 ) . ( 2 ) قال الآخر : البيتان لزياد الأعجم كما في الكتاب ( 2 / 287 ) . ( 3 ) يقول الشاعر : تعجبت والدهر فيه عجائب كثيرة من رجل عنزي - ينسب إلى عنزة بن أسد بن ربيعة - سبني وشتمني وأنا لم أضربه أو أصبه بسوء . ( 4 ) مكر : خداع ، وأن تصرف غيرك عن مقصده بحيلة . تزول : تتحول وتنتقل . ( 5 ) أبو زيد : ذكر أبو علي البيت ونسبه إلى عمران بن حطان . ( 6 ) صريعا : مغلوبا . تجيب : أي ترد وتقضي الحاجة وتفيد عما تسأل . ويقول الشاعر : أنك أصبحت في عداد الصرعى فأصبحت صريعا لا تستطيع أن تجيب أو ترد على أي دعوة توجه إليك فأنت لا تسمع الداعي الذي يدعوك ويسمعك الذي دعا . وأسلوب البيت في جملته خبري غرضه التحسر والتوجع . الشاهد فيه جزم الفعل ( يسمعك ) بلام أمر مضمرة للضرورة الشعرية وهذا يكون أغلبه في الشعر