عثمان بن جني ( ابن جني )

414

سر صناعة الإعراب

وذكرت ذلك في كتابي « 1 » في شرح تصريف أبي عثمان - رحمه اللّه - فتجنبت الإطالة بذكره هنا . فإذا كان هذا وغيره مما ندع ذكره اكتفاء بهذا قد أعلت عينه ولامه جميعا ، جاز أيضا أن تحمل « باء » و « طاء » و « هاء » وأخواتهن في إعلال عيناتها ولاماتها جميعا عليه ، فقد صار إذن تركيب « طاء » و « حاء » ونحوهما بعد التسمية من « ط وي » ومن « ح وي » وصارا كأنهما من باب « طويت » و « حويت » وإن لم يكونا في الحقيقة منه ، ولكنهما قد لحقا بحكمه ، وجريا في القضية مجراه ، فلو اشتققت على هذا من هذه الحروف بعد التسمية فعلا على « فعّلت » لقلت من الباء « بوّيت » ، ومن التاء « توّيت » ، ومن الثاء « ثوّيت » ، ومن الحاء « حوّيت » ، ومن الخاء « خوّيت » ومن الراء « روّيت » ، ومن الطاء « طوّيت » ، ومن الظاء « ظوّيت » ، ومن الفاء « فويّت » ، ومن الهاء « هوّيت » ، ومن الياء « يوّيت » كما تقول في « فعّلت » من « طويت » و « حويت » : « طوّيت » و « حوّيت » . هذا هو القياس الذي تقتضيه حقيقة النظر ، وأما المسموع المحكي عنهم فأن يقولوا « بيّيت ، وتيّيت ، وثيّيت ، وحيّيت ، وخيّيت ، وطيّيت ، وظيّيت ، وييّيت ياء حسنة » وكذلك بقية أخواتها ، فظاهر هذا القول يدل من رأيهم على أنهم اعتقدوا أن الألف في نحو : باء ، وتاء ، وحاء ، وخاء بدل من ياء ، وجعلوا الكلمة من باب « حييت » و « عييت » ونحوهما مما عينه ولامه ياءان . والذي حملهم على هذا عندي سماعهم الإمالة في ألفاتهن قبل التسمية وبعدها ؛ ألا تراك تقول إذا تهجيت : با تا ثا حا خا را طا ظا ها يا ، وقالوا بعد التسمية والنقل : باء ، وتاء ، وثاء ، وحاء ، وطاء ، وظاء ، فلما رأوا الإمالة شائعة في هذه الألفات قبل النقل وبعده حكموا لذلك بأن الألفات فيهن منقلبات عن ياءات ، وأنها قد لحقت في الحكم بالألفات المنقلبة من الياءات ، فلذلك قالوا : حيّيت حاء ، وطيّيت طاء ، ونحو ذلك . وأنا أذكر وجه الإمالة في هذه الحروف ، وأدل على صحة القياس الذي ذهب إليه أبو علي .

--> ( 1 ) هو المسمى « المنصف » ( 2 / 152 ) .