عثمان بن جني ( ابن جني )
377
سر صناعة الإعراب
وهذا ليس عذرا مقنعا ، وإنما فيه بعض التأنيس ، والقول بعد قول سيبويه . فقول من قال : إنّ لبّيت بالحج من قولنا : « ألبّ بالمكان » إلى قول يونس أقرب منه إلى قول سيبويه ، ألا ترى أن الياء في « لبّيك » عند يونس إنما هي بدل من الألف المبدلة من الياء المبدلة من الباء الثالثة في « لبّب » على تقدير قول يونس ، وهذا كله منتزع من قول سيبويه والخليل : إن لبّيك من قولهم ألبّ بالمكان « 1 » ، إلا أنهما لم يزعما أن الياء في « لبيّك » بدل من باء ، وإنما الياء عندهم علم على التثنية ، وإن وزن « لبّيك » على قولهما « فعليك » كما أن « سعديك » كذلك لا محالة ، ووزنه عند يونس « فعللك » ، والياء فيه بدل من اللام الثانية ، فاعرف هذه المسألة ، فإنها من لطيف ما في هذا الكتاب ، وإن أعان اللّه على شرحه وتفسيره سقت جميعه من التقصي والتنظيف على هذه الطريق ، وعلى ما هو ألطف وأدق بإذن اللّه . إبدال الياء من الراء وذلك قول بعضهم : « شيراز » « 2 » و « شراريز » ، حكاها أبو الحسن ، فأصل « شيراز » على هذا « شرّاز » فأبدلت الراء الأولى ياء . ومثله قولهم : « قيراط » و « قراريط » وأصله « قرّاط » والعلة واحدة . فأما من قال في « شيراز » : « شواريز » فإنه جعل الياء فيه مبدلة من واو ، وكان أصله على هذا « شوراز » ، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء ، ثم إنه لما زالت الكسرة في الجمع رجعت الواو ، فقالوا : « شواريز » . فإن قلت : فإن بناء « فوعال » ليس موجودا في الكلام ، فمن أين حملت واحد « شواريز » عليه ؟ فالجواب : أن ذلك إنما رفض في الواحد لأجل وقوع الواو ساكنة بعد الكسرة ، فلم يمكن إظهارها ، فلما لم يصلوا إلى إظهار الواو في الواحد لما ذكرناه ، وكانوا يريدونها أظهروها في الجمع ليدلوا على ما أرادوه في الواحد ، وليعلموا أنها لم تزد في
--> ( 1 ) الكتاب ( 1 / 176 - 177 ) . ( 2 ) شيراز : اللبن الرائب المستخرج ماؤه . القاموس المحيط ( 2 / 178 ) مادة / شرز .