عثمان بن جني ( ابن جني )
370
سر صناعة الإعراب
وحدثنا أبو علي « 1 » ، قال : قال أبو العباس : لقي أبو زيد سيبويه ، فقال له : سمعت من العرب من يقول « قريت » و « توضيّت » ، فقال له سيبويه : كيف يقول منه يفعل ؟ فقال : « أقرأ » . فقال سيبويه : لا ، ينبغي أن يقول : « أقري » . يريد سيبويه بذلك أن هذا الإبدال لا قوة له ، ولا قياس يوجبه ، ولو كان على القياس لوجب أن تخرج الكلمة إلى ذوات الياء ، فيقول : « أقري » كما تقول : « رميت أرمي » ؛ ألا ترى أن البدل لما وجب في « جاء » ونحوه جرى لذلك نجرى « قاض » فاعرفه . ونحو من هذا قول ابن هرمة « 2 » : إنّ السّباع لتهدى عن فرائسها * والناس ليس بهاد شرّهم أبدا « 3 » يريد : ليس بهادئ ، فأبدل الهمزة ياء ضرورة ، وجميع هذا لا يقاس إلا أن يضطر شاعر . وقالوا في « أعصر » - اسم رجل - « يعصر » فالياء بدل من الهمزة ، قال أبو علي : إنما سمي أعصر بقوله « 4 » : أبنيّ إنّ أباك شيّب رأسه * كرّ الليالي واختلاف الأعصر « 5 »
--> ( 1 ) انظر / الحجة ( 2 / 96 ) مخطوط . ( 2 ) البيت في شعره ( ص 97 ) ولم يذكره صاحب اللسان . ( 3 ) يقول إن السباع لا تهدأ عن فرائسها كما أن الناس لا يهدأ شرهم أبدا . والشاهد فيه ( لتهدى ) حيث أبدل الهمزة ياء للضرورة وأصلها ( يهادئ ) وهذا مما لا يقاس عليه ( 4 ) هو أعصر بن سعد بن قيس عيلان ، والبيت في طبقات فحول الشعراء . وقد أطلق عليه ( أعصر ) بعد إنشاد هذا البيت . انظر طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي . وذكره صاحب اللسان بتحريف بسيط في قوله : ابني إن أباك غيّر لونه * كر الليالي واختلاف الأعصر . مادة ( عصر ) ( 4 / 581 ) . ( 5 ) الكر : الرجوع . اللسان ( 5 / 135 ) مادة / كرر . والأعصر ( ج ) عصر ، وهو الدهر وتجمع على ( عصور ) . والشاعر يحدث ابنه بأن الأيام والليالي المتوالية قد شيبت شعر رأسه . والشاهد فيه ( أعصر ) حيث أطلق اسم الدهر لقبا على الشاعر ولم تبدل الهمزة ياء .