عثمان بن جني ( ابن جني )
32
سر صناعة الإعراب
الثالث نحو قولك : الملك أفضل من الإنسان ، والعسل حلو ، والخلّ حامض ، وأهلك الناس الدينار والدرهم « 1 » ، فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له ، لأن ذلك متعذر غير ممكن ، لأنه لا يمكن أحدا أن يشاهد جميع الدراهم ، ولا جميع الدنانير ، ولا جميع العسل ، ولا جميع الخلّ ، وإنما معناه أنّ كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة ، أفضل من كل واحد من هذا الجنس الآخر ، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو ، وكلّ جزء من الخل الذي لا تمكن مشاهدة جميعه حامض . الرابع : قوله عز وجل : الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ( البقرة : 71 ) فالألف واللام في الآن زائدة ، وكذلك لام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما ، ولام اللات والعزّى في قول أبي الحسن « 2 » ، ولا أعرف لسيبويه فيه خلافا . ولهذا نظائر « 3 » سأذكرها إن شاء اللّه تبارك وتعالى . فالذي يدل على أن اللام في الآن زائدة أنها لا تخلو من أن تكون للتعريف كما يظن مخالفنا أو تكون زائدة لغير التعريف كما نقول نحن . فالذي يدل على أنها لغير التعريف أنّا اعتبرنا جميع ما لامه للتعريف ، فإذا إسقاط لامه جائز فيه ، وذلك نحو : الرجل ورجل ، والغلام وغلام ، ولم يقولوا : افعله آن ، كما قالوا افعله الآن . فدل هذا على أن اللام فيه ليست للتعريف ، بل هي زائدة كما يزاد غيرها من الحروف ، وإذا ثبت أنها زائدة فقد وجب النظر في ما تعرّف به الآن ، فلا يخلو من أحد وجوه التعريف الخمسة ، إما لأنه من الأسماء المضمرة « 4 » ، أو من
--> ( 1 ) تشبيه استعاري حيث شبه الدينار والدرهم بشيء يهلك الناس ويوردهم موارد التهلكة . الشاهد فيه وقوع لام التعريف جنسية ( أي خاصة بتعريف الجنس ) . ( 2 ) معاني القرآن للأخفش . ( 3 ) نظائر : ( م ) نظير ، والنظير المثل والمساوي . مادة ( ن ظ ر ) . القاموس المحيط ( 2 / 145 ) . ( 4 ) الأسماء المضمرة : هي تلك الأسماء التي يعين مسماها بقيد التكلم ، ك ( أنا ) ، أو الخطاب ك ( أنت ) ، أو الغيبة ك ( هو ) . شرح ابن عقيل ( 1 / 118 ) .