عثمان بن جني ( ابن جني )

298

سر صناعة الإعراب

فإن قلت : فلعله مبني على حركة ، فتكون ألفه إذن منقلبة لانفتاح الياء قبلها ، ويكون في بنائه على الحركة بمنزلة « أنا » و « هو » في أنهما مبنيان على الفتح . فالجواب : أن « إيّاك » بأنت أشبه منه بأنا وهو ، وذلك أن الكاف في آخره قد ثبتت الدلالة على كونها حرفا للخطاب ، وقد شرحنا ذلك من حالها في حرف الكاف ، فإذا كان الاسم إنما هو « إيّا » والكاف إنما هي لاحقة لمعنى الخطاب ، أشبه إيّاك أنت ، ألا ترى أن التاء في آخر « أنت » ليست من الاسم ، وإنما هي للخطاب ، فكما أن النون قبل تاء « أنت » ساكنة ، فكذلك ينبغي أن تكون الألف قبل كاف « إياك » في موضع سكون ، وإذا كانت كذلك لزم أن تكون غير منقلبة ؛ لأنها ليست في موضع حركة ، وجرت في ذلك مجرى ألف : ما ، ولا ، وحتى ، وكلّا في أنها غير منقلبة . وحكى لي حاك عن أبي إسحاق أراه قال لي : سمعته يقول وقد سئل عن معنى قوله عز وجل : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( الفاتحة : 5 ) « 1 » ما تأويله ؟ فقال : حقيقتك نعبد ، قال : واشتقاقه من الآية ، وهي العلامة . وهذا القول من أبي إسحاق عندي غير مرضي ، وذلك أن جميع الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو : أنا ، وأنت ، وهو ، وهي ، وقد قامت الدلالة على كون « إيّا » اسما مضمرا ، فيجب أن لا يكون مشتقا ، فإن ذهب إلى أن « إيّا » اسم غير مضمر ، وذلك قوله على ما بيّنّاه في حرف الكاف ، فقد أفسدناه هناك بما أغنى عن إعادته هنا . فإن قلت : فما مثال « إيّا » من الفعل ؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثّل لأنه غير مشتق ولا متصرف ، ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة ، وعلى أمثلة مختلفة ، فالألفاظ ثلاثة : أحدها أن يكون من لفظ أويت . والآخر : من لفظ الآية .

--> ( 1 ) ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) الشاهد في الآية أن أبا إسحاق أولها ب ( حقيقتك نعبد ) وهو ما لا يتفق مع رأي ابن جني .