عثمان بن جني ( ابن جني )

290

سر صناعة الإعراب

معناه عندهم : قلبتم ظهر المجنّ لنا . فأما أصحابنا فيدفعون هذا التأويل البتة ، ولا يجيزون زيادة هذه الواو ، ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة للعلم بها والاعتياد في مثلها ، وتأويل ذلك عندنا على معنى : فلما أسلما وتلّه للجبين ، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا أدرك ثوابنا ، ونال المنزلة الرفيعة عندنا . وكذلك : إذا السماء انشقت وكان كذا وكذا عرف كل واحد ما صار إليه من ثواب أو عقاب « 1 » . ودليل ذلك قوله عز اسمه إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ( التكوير : 1 ) « 2 » وكان كذا وكذا عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ( التكوير : 14 ) « 3 » . وكقوله تعالى في موضع آخر : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( الانفطار : 1 ) « 4 » عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ( الانفطار : 5 ) ، وكذلك قوله عز وجل : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ تقديره : صادفوا الثواب الذي وعدوه . وكذلك قول الشاعر : حتى إذا قملت بطونكم * ورأيتم أبناءكم شبّوا وقلبتم ظهر المجنّ لنا * إن الغدور الفاحش الخبّ « 5 » تقديره : لما كان هذا كله منكم عرف الناس غدركم ، واستحققتم صرف اللائمة إليكم ، أو نحو ذلك مما يصح لمثله أن يكون جوابا عن هذا ، وصار أيضا قوله : « إن الغدور الفاحش الخب » بدلا من الجواب ودليلا عليه .

--> يقول الشاعر هاجيا هؤلاء القوم أحين شبعتم وشب أبناؤكم أظهرتم لنا العداوة والغدر . والشاهد في « وقلبتم ظهر المجن لنا » فقد جاءت الواو زائدة فيه على رأي الكوفيين . ( 1 ) وقد قال بحذف الجواب في هذه الآية من الكوفيين الفراء ، كما في كتابه « معاني القرآن » ( 3 / 250 ) . ( 2 ) كورت : جمع ضوءها ولف كما تلف العمامة . اللسان ( 5 / 156 ) مادة / كور . ( 3 ) « علمت نفس ما أحضرت » أي ما أحضرت من عمل . ( 4 ) « إذا السماء انفطرت » انفطرت أي انشقت . لسان العرب ( 5 / 55 ) مادة / فطر . ( 5 ) قمل الرجل : سمن بعد الهزال . لسان العرب ( 11 / 568 ) مادة / قمل . البيتان سبق تخريجهما وشرحهما .