عثمان بن جني ( ابن جني )

288

سر صناعة الإعراب

فإن قلت : فاجعل رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ مبتدأ وخبرا ، واجعل الجملة المنعقدة منهما وصفا ل ثَلاثَةٌ كما تقول : هم ثلاثة غلامهم أبوهم ؟ فذلك عندنا في هذا الموضع غير سائغ ولا مختار ، وإن كان في غير هذا الموضع جائزا ، والذي منع من إجازته هنا وضعّفها أن الجملة التي في آخر الكلام فيها واو العطف ، وهو قوله عز وجل : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ فكما ظهرت الواو في آخر الكلام ، فكذلك - واللّه أعلم - هي مرادة في أوله لتتجنّس الجمل في أحوالها والمراد بها ، فكأنه - واللّه أعلم - سيقولون ثلاثة ورابعهم كلبهم ، ويقولون خمسة وسادسهم كلبهم رجما بالغيب ، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ، إلا أن الواو حذفت من الجملتين المتقدمين لأن الذي فيهما من الضمير يعقدهما بما قبلهما لا عقد الوصف ولا عقد الحال لما ذكرناه ، ولكن عقد الاتباع ، لا سيما وقد ظهرت الواو في الجملة الثالثة ، فدل ذلك على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين . واعلم أن هذه الواو وما بعدها إذا أريد بالجميع الحال في موضع نصب بما قبلها من العوامل التي يجوز لمثلها نصب الحال ، فقولك : أقبل أخوك وثوبه نظيف ، في موضع : أقبل أخوك نظيفا ثوبه ، فكما تنصب « نظيفا » ب « أقبل » كذلك تنصب موضع قولك : وثوبه نظيف ب « أقبل » . وإذا كان ذلك كذلك فقوله عز اسمه : يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ( آل عمران : 154 ) في تقدير : يغشى طائفة منكم مهمّة طائفة منكم أخرى أنفسهم في وقت غشيانه تلك الطائفة الأولى ، ولا بدّ من هذا التقدير ، كما أن قولك : جاءت هند وعمرو ضاحك في تقدير : جاءت هند ضاحكا عمرو في وقت مجيئها ، حتى يعود من الجملة التي هي حال ضمير على صاحب الحال ، ولهذا شبهها سيبويه ب « إذ » قال أبو علي : إنما فعل ذلك من حيث كانت « إذ » منتصبة الموضع بما قبلها أو بعدها كما أن الواو منتصبة الموضع في الحال ، ولأن ما بعد « إذ » لا يكون إلا جملة ، كما أن ما بعد واو الحال لا يكون إلا جملة ، ولهذا قال سيبويه : « واو الابتداء » يعني هذه الواو إذ كان ما بعدها سبيله أن يكون جملة من مبتدأ وخبر ، ولأجل أن بين الحال والظرف هذه المصاقبة « 1 » ما ذهب الكسائي إلى أن نصب الحال إنما

--> ( 1 ) المصاقبة : القرب والدنو . لسان العرب ( 1 / 525 ) مادة / صقب .