عثمان بن جني ( ابن جني )

277

سر صناعة الإعراب

فأما إذا لم تكن ممزوجة بأنفس الأمثلة فتأتي على أربعة أضرب ، وهي : واو العطف ، والواو التي بمعنى مع ، وواو الحال ، وواو القسم . فأما واو العطف فنحو قولك : « قام زيد وعمرو » وليس فيها دليل على المبدوء به في المعنى ، لأنها ليست مرتّبة ، قال لبيد « 1 » : أغلي السّباء بكلّ أدكن عاتق * أو جونة قدحت ، وفضّ ختامها « 2 » فقوله : « قدحت » أي « غرفت » ومنه سمّيت المغرفة مقدحة ، وفضّ ختامها : فتح رأسها ، وإنما تغرف بعد أن تفتح ، فقد علمت أن « قدحت » ، مقدّم في اللفظ مؤخّر في المعنى . وعلى هذا يتوجه قوله تعالى : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( مريم : 43 ) « 3 » فبدأ بالسجود قبل الركوع لفظا ، وهو مؤخر معنى ، ولذلك لم يلزم عند أبي حنيفة « 4 » وأصحابه من قوله عز اسمه إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ( المائدة : 6 ) « 5 » الآية تقديم بعض الأعضاء على بعض في الغسل ، وذلك أنها معطوفة بالواو ، ولا ترتيب فيها .

--> ( 1 ) البيت من معلقته وهو في ديوانه ( ص 314 ) وشرح القصائد العشر ( ص 242 ) . ( 2 ) السباء : شراء الخمر . الأدكن : لون الأدكن كلون الخز الذي يضرب إلى الغبرة . العاتق : الخمر القديمة . اللسان ( 10 / 237 ) . الجونة : الخابية المطلية بالقار . قدحت : أي فضه . وفض خاتمها : إذا كسره وفتحه . اللسان ( 7 / 207 ) . أفضل الخمر التي قد وضعت بالزق الأغبر أو الجونة المطلية بالقار . والشاهد في قوله : « قدحت وفض خاتمها » كما أوضح المؤلف . إعراب الشاهد : قدحت : فعل ماضي مبني على الفتح والتاء للتأنيث ، والواو للعطف . وفض : فعل ماضي مبني للمجهول مبني على الفتح ، وختامها : نائب فاعل مرفوع ، والهاء مضاف إليه ، وجملة قدحت : في محل جر نعت ل « جونة » . ( 3 ) اقنتي : من القنوت وهو الطاعة والدعاء . والآية شاهد على أن الواو لمجرد الجمع ولا تفيد ترتيبا إذ أن الركوع قبل السجود ، وفي الآية قدم السجود على الركوع . ( 4 ) انظر / المغني لابن قدامة ( 1 / 136 ) . ( 5 ) المقصود من الآية قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ .