عثمان بن جني ( ابن جني )
27
سر صناعة الإعراب
وقال الآخر : ها إنها إن تضق الصدور * لا ينفع القلّ ولا الكثير « 1 » ويدلك على أن « ها » لم يتجاوزها حرف الجر إلى « ذا » من حيث كانت شديدة الاتصال به على ما يظنه هذا السائل بيت الكتاب ، وهو قوله : ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا * فقلت : لها هذا لها ها وذا ليا « 2 » أي : وهذا ليا ، فتقديم « ها » على حرف العطف يدل على أنه ليس متصلا ب « إذا » . وإذا جاز أن يعترضوا ب « ما » بين الجازم والمجزوم وليس فيها غرض أكثر من التوكيد نحو قوله : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ( النساء : 78 ) « 3 » ، و أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ( الإسراء : 110 ) « 4 » ، و فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً
--> ( 1 ) يؤكد الشاعر على فكرة محدودة وهي أن الصدور إذا ضاقت لا ينفع معها القل ولا الكثير . وقوله : ( إنها ) أسلوب توكيد ، قوله : ( لا ينفع ) أسلوب نفي ، والنفي والتوكيد كلاهما يوضح الفكرة ويؤكد المعنى الذي يرمي إليه الشاعر . والمقابلة بين ( القل والكثير ) تبرز المعنى بالتضاد وتزيده وضوحا . الشاهد في قوله ( ها إنها ) حيث اتصلت ( ها ) التنبيه بحرف التوكيد إن . ويبدو من الأمثلة السابقة أن أداة التنبيه ( ها ) قد تتصل بالضمير ( ها أنتم ) وقد تتصل بالاسم المعرف ( ها السّلام عليكم ) ، وقد تتصل بالمعرف ( ها إنها ) . ( 2 ) يقول الشاعر : إننا اقتسمنا المال نصفين بيني وبينها فقلت لها : هذا لك وهذا لي . وأسلوب البيت خبري . الشاهد فيه قوله ( ها وذا ليا ) . ( 3 ) يدرككم : أدرك : لحق وبلغ ونال . مادة ( درك ) القاموس المحيط ( 3 / 301 ) . الشاهد فيه : اعتراض ( ما ) بين الجازم والمجزوم وهي للتوكيد ليس أكثر . ( 4 ) سبب نزول هذه الآية كما أخرجها ابن مردويه وغيره عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بمكة ذات يوم ، فدعا فقال في دعائه : يا اللّه يا رحمن ، فقال المشركون : انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين ، فنزل قوله تعالى أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى . انظر / مختصر تفسير الطبري ( ص 358 )