عثمان بن جني ( ابن جني )

246

سر صناعة الإعراب

ولأبي علي أن يقول منتصرا لكون الألف منقلبة عن ياء : إن الذي ذهبت أنا إليه أسوغ وأقل فحشا مما ذهب إليه أبو الحسن ، وذلك أني وإن قضيت بأن الفاء واللام واوان وكان هذا أيضا لا نظير له ، فإني قد رأيت العرب جعلت الفاء واللام من لفظ واحد كثيرا ، نحو « سلس » « 1 » و « قلق » و « حرح » « 2 » و « دعد » و « فيف » « 3 » فهذا وإن لم يكن فيه واو فإنا قد وجدنا فاءه ولامه من لفظ واحد . وقالوا أيضا في الياء التي هي أخت الواو « يديت إليه يدا » ولم نرهم جعلوا الفاء والعين واللام جميعا من موضع واحد لا من واو ولا من غيرها ، فقد دخل أبو الحسن معي في أن اعترف بأن الفاء واللام واوان إذ لم يجد بدّا من الاعتراف بذلك ، كما لم أجده أنا ، ثم إنه زاد على ما ذهبنا إليه جميعا شيئا لا نظير له في حرف من الكلام البتة ، وهو جعله الفاء والعين واللام من لفظ واحد . فأما ما أنشدناه أبو علي من قول هند بنت أبي سفيان لابنها عبد اللّه بن الحارث « 4 » : لأنكحنّ ببّه * جارية خدبّه مكرمة محبّه * تجبّ أهل الكعبة « 5 » فإنما « ببّة » حكاية الصوت الذي كانت ترقصه عليه ، وليس باسم ، وإنما هو ك « قب » لصوت وقع السيف ، و « طيخ » للضحك ، ومثله صوت الشيء إذا

--> ( 1 ) سلس : سهل ولين ، وسلس بول الرجل إذا لم يتهيأ له أن يمسكه . اللسان ( 6 / 106 ) . ( 2 ) الحرح : فرج المرأة ، والجمع أحراح . لسان العرب ( 2 / 432 ) . ( 3 ) الفيف : المفازة التي لا ماء فيها مع الاستواء والسعة . والفيفاء : الصحراء الملساء . ( 4 ) الأبيات لهند بنت أبي سفيان كما نسبه إليها صاحب اللسان في مادة ( ببب ) ( 1 / 221 ) ، وهذه الأبيات وردت في المنصف ( 2 / 182 ) والخصائص ( 2 / 217 ) وجمهرة اللغة ( 1 / 24 ) غير منسوبة ( 5 ) ببة : حكاية الصوت التي كانت الشاعرة ترقص ولدها عليه كما قال ابن جني في المتن . خدبّه : ضخمة . تجب : تغلب بحسنها . اللسان ( 1 / 251 ) . أهل الكعبة : أي نساء قريش . تخاطب ابنها وتقول إنه ستنكحه فتاة سمينة جميلة تفوق نساء قريش حسنا وجمالا . والشاهد : في قوله « ببه » فقد أورده أبو علي كدليل على ورود كلمة فاؤها وعينها ولامها على حرف واحد هو الباء . ورد ابن جني ذلك بأنها ليست اسما وإنما حكاية لصوت كانت الشاعرة ترقص ابنها عليه .