عثمان بن جني ( ابن جني )

74

سر صناعة الإعراب

فزعم أن العرب تشم القاف شيئا من الضم . وهذا يدلك ، من مذهب العرب ، على أن الإشمام يقرب من السكون ، وأنه دون روم " 1 " الحركة ، وذلك أن هذا الشعر من الرجز ووزنه : متى أنا ملا يؤر رق نل كرى * مفاعلن ، مفاعلن ، مستفعلن فالقاف من " يؤرّقني ، بإزاء سين مستفعلن ، والسين كما ترى ساكنة . ولو اعتددت بما في القاف من الإشمام حركة ، لصار الجزء إلى " متفاعلن " وكان يكون كسرا ، لأن الرجز " 2 " لا يجوز فيه متفاعلن ، وإنما يأتي في الكامل " 3 " . فهذه دلالة قاطعة على أن حركة الإشمام لضعفها غير معتدّ بها ، والحرف الذي هي فيه ساكن ، أو كالساكن ، وأنها أقلّ في النسبة والزنة من الحركة المخفاة في همزة بين بين وغيرها ، مما قرّوناه " 4 " الآن آنفا . فهذه عدّة الحروف والحركات ، وما لحق بها من الفروع ، بأحوط " 5 " ما يمكن في معناه . ونحن نتبع هذا ذكر أجناس الحروف ، فإذا فرغنا منها بدأنا بالقول على حرف حرف ، كما شرطنا بمشيئة الله .

--> ( 1 ) الروم " عند القراء " : سرعة النطق بالحركة التي في آخر الكلمة الموقوف عليها مع إدراك السمع لها ، وهو أكثر من الإشمام لأنه يدرك بالسمع . اللسان ( 3 / 1782 ) . مادة ( روم ) . والروم يكون بزنة الحركة وإن كانت مختلسة ، أما الإشمام فهو أن تذيقه الضمة أو الكسرة بحيث لا تسمع ، وإنما يتبين بحركة الشفة ، فهو أقل من روم الحركة ، ولا يعتد به حركة لضعفه ، والحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن ، فحركة الإشمام لا تكسر وزنا . ( 2 ) الرجز : بحر من بحور الشعر أصل وزنه " مستفعلن " ست مرات . اللسان ( 3 / 1588 ) . وتسمى قصائده أراجيز واحدتها أرجوزة وهي كهيئة السجع ، إلا أنه في وزن الشعر . ومن أشهر الرجاز عند العرب العجاج ورؤبة وأبو النجم الفضل بن قدامة والأغلب العجلي . ( 3 ) الكامل : بحر من بحور الشعر وزنه " متفاعلن " ست مرات . اللسان ( 5 / 3930 ) . ( 4 ) قروناه : من قرا " قروا " إذا تتبع الأمر ونظره . اللسان ( 5 / 3616 ) . مادة " قرو " . ( 5 ) أحوط : يريد بها هنا أشمل وأوسع فهو أفعل تفضيل من الإحاطة بالشيء . اللسان ( 2 / 1052 ) .