عثمان بن جني ( ابن جني )

69

سر صناعة الإعراب

فالجواب أن بين الضمة والكسرة من القرب والتناسب ما ليس بينهما وبين الفتحة ، فجاز أن يتكلّف نحو ذلك بين الضمة والكسرة ، لما بينهما من التجانس فيما قد تقدم ذكره في صدر هذا الكتاب ، وفيما سنذكره أيضا في أماكنه ، وهو مع ذلك قليل مستكره ، ألا ترى إلى كثرة قيل وبيع وغيض " 1 " ، وقلّة نحو : مذعور وابن بور ولعلّ أبا الحسن أيضا إلى هذا نظر في امتناعه من إعلال " 2 " الواو في مذعور ، وتركها واوا محضة ، لأن له أن يقول إن الحركة التي قبل الواو لم تتمكن في الإعلال والإشمام تمكن الفتحة في الإشمام نحو عالم وقام ، ولا تمكّن الكسرة في قيل وبيع فلما كان الإشمام في مذعور ونحوه عنده والعمل خلسا " 3 " خفيا ، لم يقو على إعلال الواو بعده ، كما اعتلت الألف في نحو عالم وقام ، والكسرة في نحو قيل وغيض فلذلك لم تعتلّ عنده الواو في مذعور وابن بور ، وأخلصها واو محضة . فهذا قول من القوة على ما تراه ، وإن شئت فقل إن الضمة وإن نحي بها نحو الكسرة فلقربها منها وبعدت الفتحة منها فلم يجز فيها ما جاز في الكسرة القريبة : فلما بطل ذلك في الضمة ، حملت الكسرة عليها ، لأنها أختها ، وداخلة في أكثر أحكامها ، ويشهد لهذا القول أنهم أدغموا النون في الميم ، لاشتراكهما في الغنّة والهويّ في الفم ، ثم إنهم حملوا الواو في هذا على الميم ، بأنها من الشفة ، وإن لم تكن النون من الشفة . ثم إنهم أيضا حملوا الياء على الواو في هذا ، لأنها ضارعتها في المد ، وإن لم تكن معها من الشفة ، فأجازوا إدغام النون في الياء ، فالميم نحو قولهم : من معك ؟ والواو نحو قولهم : من وعدت ؟ والياء نحو قوله عز اسمه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ * " 4 " ، فكما جاز حمل الواو على الميم ، ثم حمل الياء على الواو فيما ذكرنا ،

--> ( 1 ) وضعنا ضمة فوق كل من القاف والباء والغين للدلالة على إمالة الكسرة نحو الضمة . ( 2 ) المراد بالإعلال هنا : إشمام الواو رائحة الياء ، وليس قلبها ياء خالصة . ( 3 ) خلسا : على حين غفلة . مادة ( خلس ) . اللسان ( 2 / 1226 ) . ( 4 ) الآية شاهد على إدغام النون في الياء وهذا إدغام بغنة . والحروف التي تدغم مع النون هي حروف كلمة " يرملون " أربعة منها بغنة واثنين بدون غنة . فأما الأربعة فهم : " ي ، ن ، م ، و " ، وأما الحرفين اللذين بدون غنة فهما : " ر ، ل " .