عثمان بن جني ( ابن جني )
57
سر صناعة الإعراب
الفم ، كما أن مخرج الألف المتحركة التي هي همزة من المصدر ، ومخرج الألف فوقها من أول الحلق ، فهاتان هاهنا كتينك هناك . فأما إخراج أبي العباس الهمزة من جملة الحروف ، واحتجاجه في ذلك بأنها لا تثبت صورتها ، فليس بشيء . وذلك أن جميع هذه الحروف إنما وجب إثباتها واعتدادها لمّا كانت موجودة في اللفظ الذي هو قبل الخطّ ، والهمزة أيضا موجودة في اللفظ ، كالهاء والقاف وغيرهما ، فسبيلها أن تعتد حرفا كغيرها ، فأما انقلابها في بعض أحوالها لعارض يعرض لها من تخفيف أو بدل ، فلا يخرجها من كونها حرفا ، وانقلابها أدلّ دليل على كونها حرفا ، ألا ترى أن الألف والواو والياء والتاء والهاء والنون وغيرهنّ قد يقلبن في بعض الأحوال ، ولا يخرجهن ذلك من أن يعتددن حروفا . وهذا أمر واضح غير مشكل " 1 " . واعلم أن واضع حروف الهجاء لمّا لم يمكنه أن ينطق بالألف التي هي مدّة ساكنة ، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به ، دعمها باللام قبلها متحركة ، ليمكن الابتداء بها . فقال : ه ، و ، لا ، ي . فقوله ( لا ) بزنة ما ، ويا ، ولا تقل كما يقول المعلمون : لام ألف . وذلك أن واضع الخطّ لم يرد أن يرينا كيف أحوال هذه الحروف إذا تركّب بعضها مع بعض ، ولو أراد ذلك ، لعرّفنا أيضا كيف تتركب الطاء مع الجيم ، والسين مع الدال ، والقاف مع الظاء ، وغير ذلك مما يطول تعداده ، وإنما مراده ما ذكرت لك ، من أنه لمّا لم يمكنه الابتداء بالمدّة الساكنة ، ابتدأ باللام ، ثم جاء بالألف بعدها ساكنة ، ليصحّ لك النطق بها كما صحّ لك النطق بسائر الحروف غيرها ، وهذا واضح . فإن قال قائل : فلم اختيرت لها اللام دون سائر الحروف ؟ وهلا جيء لها بهمزة الوصل ، كما فعلت العرب ذلك بالساكن لمّا لم يمكن ابتداؤه ، نحو : اضرب ، اذهب ، انطلق ، وغير ذلك ؟ فالجواب : أن همزة الوصل لو جيء بها قبل الألف توصلا إلى النطق بالألف الساكنة ، لما أمكن ذلك ، ولأدّتهم الحال إلى نقض الغرض الذي قصدوا له .
--> ( 1 ) المشكل : الملتبس . مادة ( شكل ) . اللسان ( 4 / 2310 ) .