عثمان بن جني ( ابن جني )
52
سر صناعة الإعراب
على التمييز ، كما تقول : لقد علم الأيقاظ عيونا تزجّجها ، فأخفيها ، في أنه " أزيل خفاءها " : بمنزلة قوله " لو أننا نشكيها " : أي نترك لها ما تشكوه . فكذلك أيضا يكون قولنا : " أعجمت الكتاب " : أي أزلت عنه استعجامه ، كما كان أخفيها ، أزيل خفاءها ، ونشكيها : بمنزلة ندع لها ما تشكوه . ونظيره أيضا : أشكلت الكتاب . أي أزلت عنه إشكاله . وقد قالوا أيضا : عجّمت الكتاب ، فجاءت " فعّلت " للسلب أيضا ، كما جاءت أفعلت . ونظير عجّمت في النفي والسلب ، قولهم : مرّضت الرجل : أي داويته ليزول مرضه ، وقذّيت عينه ، أي أزلت عنها القذى " 1 " . ومنه " رجل مبطّن " : إذا كان خميص البطن " 2 " ، كأن بطنه أخذ منه ، فجاءت " فعّلت " للسلب أيضا ، وإن كانت في أكثر الأمر للإيجاب ، نحو : علّمته ، وقدّمته ، وأخّرته ، وبخّرته : أي أوصلت هذه الأشياء إليه ، وكذلك : عجّمت الكتاب أيضا . مثل : مرّضته ، وقذّيت عينه . ونظير فعّلت وأفعلت في السّلب أيضا " تفعّلت " ، قالوا : تحوّبت " 3 " ، وتأثّمت ، أي تركت الحوب والإثم ، وإن كان " تفعّلت " في أكثر الأمر تأتي للإثبات ، نحو : تقدّمت ، وتأخّرت ، وتعجّلت ، وتأجّلت ، فكذلك أيضا أعجمت الكتاب وعجّمته : أي أزلت استعجامه . فإن قيل : إن جميع هذه الحروف ليس معجما ، إنما المعجم بعضها ، ألا ترى أن الألف ، والحاء والدال ونحوها ، ليس معجما ، فكيف استجازوا تسمية جميع هذه الحروف حروف المعجم ؟ " 4 " .
--> ( 1 ) القذى : ما يسقط في العين والشراب ، وقذيت عينه من باب صدي سقطت فيها قذاة فهو قذى وقذت عينه : رمت بالقذى . مادة ( ق . ذ . ى ) . اللسان ( 5 / 3562 ) . ( 2 ) خميص البطن : الأخمص ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض ، والخمصة الجوعة ، وخمص بطنه خلا وضمر ، ( ج ) خماص وخمائص . اللسان ( 2 / 216 ) . ( 3 ) تحوبت : الحوب بالضم والحاب الإثم ، وقد حاب بكذا أي أثم . اللسان ( 2 / 1036 ) ( 4 ) فكيف استجازوا تسمية هذه الحروف حروف المعجم ؟ : أسلوب إنشائي في صورة استفهام الغرض منه الاستنكار .