عثمان بن جني ( ابن جني )
45
سر صناعة الإعراب
ودلالة أخرى تدلّ على أن حركة الحرف بعده ، وهي أنك إذا أشبعت الحركة تممتها حرف مدّ ، كما تقدم من قولنا في نحو ضرب وقتل ، إذا أشبعت حركة الضاد والقاف قلت ضارب وقاتل . وضرب وقتل إذا أشبعت قلت : ضورب وقوتل . وكذلك ضراب وقتال ، إذا أشبعت قلت ضيراب وقيتال . فكما أن الألف والواو والياء بعد الضاد والقاف ، فكذلك الفتحة والضمة والكسرة في الرّتبة بعد الضاد والقاف ، لأن الحركة إذا كانت بعضا للحرف ، فالحرف كلّ لها ، وحكم البعض في هذا تابع لحكم الكلّ ، فكما أن الحروف التي نشأت عن إشباع الحركات بعد الحروف المتحركة بها ، فكذلك الحركات التي هي أبعاضها وأوائل لها وأجزاء منها ، في الرتبة بعد الحروف المتحركة ، وهذا واضح مفهوم لمتأمله . فإن قلت : ما تنكر أن تكون الحركة تحدث مع الحرف المتحرّك البتّة ، ثم تأتي بقية حرف اللين التي هي مكلمة للحركة حرفا مستأنفة بعد الحركة التي حدثت مع الحرف البتّة ، كما قد نشاهد بيننا من الأشياء ما يصحبه بعض لغيره ، ثم يأتي تمام ذلك البعض فيما بعد ، فلا يلزم من هذا أن يكون ذلك البعض الذي شوهد أولا مصاحبا لغيره ، في حكم البقية التي جاءت من بعده ، بل يكون الجزء الأول مصاحبا لما وجد معه ، والجزء الثاني آتيا من بعده ، ونظير هذا : رجل له عشرون غلاما ، فقدم ومعه منهم عشرة ، ثم أو في بعد استقراره بمن وافى في جملته من غلمانه بقيّتهم ، فليس تأخر من تأخر منهم بموجب تأخر من تقدم منهم . فما أنكرت مع ما مثّلنا أن تكون الحركة حادثة مع الحرف ، وتكون المدّة التي تحدث لإشباع الحركة مستقبلة فيما بعد . فالجواب أن هذا التمثيل إنما يصح فيما أمكن تقطعه وتجزؤه ، لأنه قد يمكن أن يحضر بعض الغلمان مع مالكهم ، ويغيب بعض ، فأما ما اتصلت أجزاؤه وتتابعت وتوالت شيئا فشيئا ، ولم يمكن قطعها ، ثم العود إلى تمامها ، فقد جرى لذلك مجرى الجزء الواحد الذي لا يسوغ تجزّؤه . فمحال أن يكون له حكم إلا وهو مشتمل عليه " 1 " ، وذلك حكم حرف المدّ الذي يحدث عن تمكين " 2 " الحركة ومطلها " 3 "
--> ( 1 ) مشتمل عليه : أي يحتوي عليه ويصيبه نفس حكمه . اللسان ( 4 / 2329 ) . ( 2 ) تمكين : أي تمكن واستمكان . مادة ( م . ك . ن ) . اللسان ( 6 / 4251 ) . ( 3 ) مطلها : أي إطالتها . مادة ( م . ط . ل ) اللسان ( 6 / 4225 ) .