عثمان بن جني ( ابن جني )

43

سر صناعة الإعراب

فالمتحرّك إذن على ثلاثة أضرب : مفتوح ، ومكسور ، ومضموم . فالمفتوح : هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها ألف ، نحو ضاد ضرب ، لك أن تشبع الفتحة ، فتقول : ضارب . والمكسور : هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها ياء نحو ضاد ضراب ، لك أن تشبع الكسرة فتقول ضيراب . والمضموم : هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها واو ، نحو ضاد ضرب ، لك أن تشبع الضمّة ، فتقول : ضورب ، إلا أنّ هذه الأحرف اللائي يحدثن لإشباع الحركات ، لا يكنّ إلا سواكن ، لأنّهنّ مدّات ، والمدّات لا يتحرّكن أبدا . واعلم أن الحركة التي يتحمّلها الحرف لا تخلو أن تكون في المرتبة ، قبله ، أو معه ، أو بعده . فمحال أن تكون الحركة في المرتبة قبل الحرف ، وذلك أن الحرف كالمحلّ للحركة ، وهي كالعرض فيه ، فهي لذلك محتاجة إليه ، ولا يجوز وجودها قبل وجوده ، وأيضا لو كانت الحركة قبل الحرف لما جاز الإدغام في الكلام أصلا ، ألا ترى أنّك تقول قطّع ، فتدغم الطاء الأولى في الثانية ، ولو كانت حركة الطاء الثانية في الرّتبة قبلها ، لكانت حاجزة بين الطاء الأولى ، وبين الطاء الثانية ، [ ولو كان الأمر كذلك لما جاز إدغام الأولى في الثانية ] " 1 " ، لأن الحركة ، على هذه المقدمة ، مرتبتها أن تكون قبل الطاء الثانية ، بينها وبين الأولى ، وإذا حجز بين الحرفين حركة بطل الإدغام ، فجواز الإدغام في الكلام ، دلالة على أنّ الحركة ليست قبل الحرف المتحرّك بها . فقد بطل بما ذكرناه أن تكون حركة الحرف في الرتبة قبله ، وبقي أن تكون معه أو بعده ، وفي الفرق بينهما بعض الإشكال . فالذي يدلّ على أن حركة الحرف في المرتبة بعده ، أنك تجدها فاصلة بين المثلين أو المتقاربين ، إذا كان الأوّل منهما متحركا .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين ساقط ، وهو ضروري .