عثمان بن جني ( ابن جني )

38

سر صناعة الإعراب

وسندل بإذن الله فيما يستقبل على مضارعة حروف اللين للحركات . فأمّا الكسرة في نحو : عوض وطول ، فلو قلبت لها الواو المتحركة [ كما قلبت الواو المتحركة في قام ألفا ] " 1 " للفتحة واستثقال حركتها ، لوجب أن تقول عيض وحيل ، ولا تصير إلى حرف تأمن فيه الحركة ، إنما صرت إلى الياء ، والياء قد يمكن تحريكها ، وليس كذلك الألف في قام ، لأنك قد صرت من الواو ، إلى حرف تؤمن حركته . والياء في عيبة كالواو في عوض ، لأنه ليس قبلهما فتحة تجتلب الألف التي تؤمن حركتها ، فلذلك لم تقلبا ، فافهم " 2 " . على أن من العرب من يقلب في بعض الأحوال الواو والياء الساكنتين الفين ، للفتحة قبلهما ، وذلك نحو قولهم في : الحيرة حاريّ " 3 " ، وفي : طيّئ طائيّ . وأجاز غير الخليل في آية أن يكون أصلها أيّة ، فقلبت الياء الأولى ألفا ، لانفتاح ما قبلها . وقالوا : أرض داويّة ، منسوبة إلى الدوّ " 4 " ، وأصلها دوّية ، فقلبت الواو الأولى الساكنة ألفا ، لانفتاح ما قبلها ، إلا أن ذلك قليل ، غير مقيس عليه غيره ، ومع هذا فشبهته ما ذكرت لك . فقد ثبت بما وصفناه من حال هذه الأحرف أنها توابع للحركات ومتنشّئة عنها ، وأن الحركات أوائل لها ، وأجزاء منها ، وأنّ الألف فتحة مشبعة ، والياء كسرة مشبعة ، والواو ضمة مشبعة ، يؤكّد ذلك عندك أيضا أن العرب ربما احتاجت في إقامة الوزن إلى حرف مجتلب ليس من لفظ البيت ، فتشبع الفتحة ، فيتولد من بعدها الألف ، وتشبع الكسرة ، فتتولد من بعدها ياء ، وتشبع الضمة ، فتتولد من بعدها واو .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين ساقط ، وهو ضروري لفهم كلام المؤلف . ( 2 ) فافهم : أسلوب أمر الغرض منه النصح والإرشاد . ( 3 ) حاريّ : ظاهر كلامهم أن الحاء في حيرة مفتوحة ، ولكنا لم نجد فتحها في اسم البلد المعروف . والنسبة إليها ، على ما هو معروف من ضبطها ، حيرى ، بكسر الحاء ، على القياس ، وحارى في المسموع . ولا يمكن أن نساير قوله إذا توهمنا أنهم حولوا اللفظ المنسوب إلى " حيرى " بفتح الحاء ، ثم قالوا : حارى الذي هو المسموع ، وبذلك يتحقق ما يريده المؤلف . ( 4 ) الدو : الفلاة الواسعة ، أو الأرض المستوية . لسان العرب ( 2 / 1462 ) . مادة ( دوا ) .