عثمان بن جني ( ابن جني )
36
سر صناعة الإعراب
الياء الأولى وإن كانت ساكنة مضموما ما قبلها ، من قبل أنها قويت بالإدغام فحصّنها عن القلب . فإن قلت : فما بالك تقول سوط وحوض وثوب وبيت وقيد وشيخ ، فتصحّ الواو والياء وهما ساكنتان وقبلهما حركة تخالفهما ؟ وهلّا قلبتهما ألفا لانفتاح ما قبلهما ، كما تقلب الواو ياء لسكونها وانضمام ما قبلها في نحو : الكوسي والطّوبي ؟ فالجواب في ذلك أنّ بين الياء وبين الواو قربا ونسبا ليس بينهما وبين الألف ، ألا تراها تثبت في الوقف في المكان الذي تحذفان فيه ، وذلك قولك : هذا زيد ، ومررت بزيد ، ثم تقول : ضربت زيدا ، وتراهما تجتمعان في القصيدة الواحدة ردفين نحو قول امرئ القيس : قد أشهد الغارة الشّعواء تحملني * جرداء معروقة اللّحيين سرحوب " 1 " ثم قال فيها : كالدّلو بتّت عراها وهي مثقلة * وخانها وذم منها وتكريب " 2 " ولا يجوز معهما ألف في مكانهما . فلما كان بين الياء والواو هذا التقارب ، وتباعدتا من الألف هذا التباعد ، وغيره مما سنذكره في أماكنه ، جذبت كل واحدة منهما صاحبتها إليها ، لأنهما صارتا بما ذكرناه من أمرهما بمنزلة الحرفين يتقارب مخرجاهما ، نحو الدال والطاء ، والذال
--> ( 1 ) الشعواء : المنتشرة من شعيت الغارة تشعى شعى : إذا انتشرت . لسان العرب ( 4 / 2282 ) . الجرداء : القصيرة الشعر ، وهو من نعت عتاق الخيل . لسان العرب ( 1 / 588 ) . مادة ( جرد ) معروقة اللحيين : ليس على لحييها لحم ، وهو أيضا من علامات عتقها . لسان ( 4 / 2906 ) والسرحوبة : الطويلة الحسنة الجسم . لسان العرب ( 3 / 1987 ) مادة ( سرحب ) . ويبدو نعت الخيل حيث يصفها امرؤ القيس بأنها : جرداء - معروقة اللحيين - سرحوب - وكلها صفات تطلق على عتاق الخيل التي تصول وتجول في الحرب . ( 2 ) الوذم : جمع الوذمة ، وهي السير الذي بين أذان الدلو وعراقيها تشد بها ، وقيل : هو الخيط الذي بين العرا . لسان العرب ( 6 / 4807 ) مادة ( وذم ) . والكرا والتكريب : حبل يشد على عراقي الدلو ، ثم يثنى ثم يثلث ، ليكون هو الذي يلي الماء ، فلا يعفن الحبل الكبير . لسان العرب ( 5 / 3846 ) مادة ( كرب ) .