عثمان بن جني ( ابن جني )
29
سر صناعة الإعراب
ويجوز أن تكون سمّيت حروفا لأنها جهات للكلم ونواح ، كحروف الشيء وجهاته المحدقة به " 1 " . ومن هذا قيل : فلان يقرأ بحرف أبي عمرو وغيره من القرّاء ، وذلك لأن الحرف حدّ ما بين القراءتين وجهته وناحيته . ويجوز أيضا أن يكون قولهم : حرف فلان ، يراد به حروفه التي يقرأ بها ، أي القارئ يؤدّيها بأعيانها ، من غير زيادة ولا نقص فيها ، فيكون الحرف في هذا وهو واحد ، واقعا موقع الحروف وهي جماعة ، كقوله عزّ اسمه : وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [ الحاقة : 17 ] " 2 " أي والملائكة ، وقوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] " 3 " أي والملائكة ، وكقولنا : " أهلك النّاس الدّينار والدّرهم " أي الدنانير والدّراهم ، وكقولنا : " الأسد أشدّ من الذّئب " ، أي الأسد أشدّ من الذّئاب ، وهذا واسع في كلامهم ، ونحوه أيضا : " الملك أفضل من الإنسان " ، أي الملائكة أفضل من النّاس . ومن هذا سمّى أهل العربية أدوات المعاني حروفا ، نحو من ، وفي ، وقد ، وهل ، وبل ، وذلك لأنها تأتي في أوائل الكلام وأواخره في غالب الأمر ، فصارت كالحروف والحدود له .
--> ( 1 ) المحدقة به : المحيطة به . لسان العرب ( 2 / 805 ) . مادة ( ح . د . ق ) . ( 2 ) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها : أرجائها مفرد ( الرّجا ) ويقصد بها الناحية والجانب . ويقول الطبري في تفسيرها : أي والملك على أطراف السماء وحافاتها حين تشقق . انظر / تفسير الطبري [ ص 502 ] . والشاهد فيها استخدام الملك مفرد ويقصد بها الملائكة . إعراب الشاهد : والملك : معطوف مرفوع بالتبعية وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره لأنه اسم مفرد . ( 3 ) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا : أي جاء ربك والملائكة صفا بعد صف . انظر / تفسير الطبري ( ص 529 ) . والشاهد أيضا استخدام الملك مفرد ويقصد بها الملائكة . إعراب الشاهد : الملك : معطوف مرفوع بالتبعية وعلامة رفعه الضمة لأنه اسم مفرد .