عثمان بن جني ( ابن جني )

20

سر صناعة الإعراب

بعضه ، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة " 1 " من قبله ، لأنّ الساكن لا يمكن الابتداء به " 2 " ، فتقول : أك . اق . اج ، وكذلك سائر الحروف ، إلا أنّ بعض الحروف أشدّ حصرا للصوت من بعضها . ألا تراك تقول في الدال والطاء واللام : اد . اط . ال . ولا تجد للصوت منفذا هناك ، ثم تقول : اص . اس . از . اث . أف ، فتجد الصوت يتبع الحرف . وإنما يعرض هذا الصّويت التابع لهذه الحروف ونحوها ما وقفت عليها ، لأنك لا تنوي الأخذ في حرف غيرها ، فيتمكّن الصّويت فيظهر . فأما إذا وصلت هذه الحروف ونحوها مما سنبيّنه في مكانه ، فإنّك لا تحس معها شيئا من الصوت كما تجده معها إذا وقفت عليها . وذلك نحو يصبر ويسلم ويزلق ويثرد ويفتح . وإنما كان ذلك كذلك من قبل أنّ أخذك في حرف آخر وتأهبّك له " 3 " ، قد حالا " 4 " بينك وبين التّلبّث " 5 " والاستراحة التي يوجد معها ذلك الصّويت ، وسترى ذلك مخلّصا بمعونة الله . فإن اتّسع مخرج الحرف حتى لا يقتطع الصوت عن امتداده واستطالته ، استمرّ الصوت ممتدا حتى ينفد " 6 " ، فيفضي " 7 " حسيرا " 8 " إلى مخرج الهمزة ، فينقطع بالضرورة عندها إذ لم يجد منقطعا فيما فوقها .

--> ( 1 ) مكسورة : الكسر ليس ضروريا ، والمهم أن تأتي بحركة قبل الحرف الذي تريد معرفة مخرجه ، ولذلك كان الخليل ، وهو أسبق من ذاق الحروف ليتعرف مخارجها ، يفتح الهمزة قبل الحرف ، قال في اللسان ( ج 1 / ص 7 في المقدمة ) : " قال الليث بن المظفر : كان ( الخليل ) إذا أراد أن يذوق الحرف فتح فاه بألف ، ثم أظهر الحرف ، ثم يقول : أب ، أت ، أج " . ( 2 ) لا يمكن الابتداء به : أسلوب نفي الغرض منه التأكيد على عدم الابتداء بالساكن ، واستخدامه للفعل " يمكن " منفيا يوحي بعدم القدرة والاستطاعة بالابتداء بساكن . ( 3 ) تأهبك : أي استدعداك له . لسان العرب ( 1 / 162 ) مادة ( أ . ه . ب ) . ( 4 ) حالا : أي حجزا ووقفا مانعا . ( 5 ) التلبث : التريث ، ولبث أي مكث . لسان العرب ( 5 / 3982 ) . مادة ( ل . ب . ث ) . ( 6 ) ينفد : أي يفنى وينتهي . لسان العرب ( 6 / 4495 ) . مادة ( ن . ف . د ) . ( 7 ) فيفضي : يسر إليه ، أو يخبره ، أو يصل إلى . لسان العرب ( 5 / 3425 ) مادة ( ف . ض أ ) . ( 8 ) حسيرا : مكشوفا . لسان العرب ( 2 / 868 ) . مادة ( ح . س . ر ) .