عبد العزيز عتيق

84

علم المعاني

من كل ماض في القديم وهدمه * وإذا تقدّم للبناية قصّرا * * * خروج النهي عن معناه الحقيقي : عرفنا أن النهي الحقيقيّ في أصل الوضع هو طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام . ولكن الذي يتأمل صيغة النهي في أساليب شتى يجد أنها قد تخرج عن معناها الحقيقي للدلالة على معان أخرى تستفاد من السياق وقرائن الأحوال ، كما كان الشأن بالنسبة إلى الأمر . ومن المعاني الأخرى التي تحملها صيغة النهي وتستفاد من السياق وقرائن الأحوال : 1 - الدعاء : وذلك عندما يكون صادرا من الأدنى إلى الأعلى منزلة وشأنا ، نحو قوله تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً « 1 » كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ . ومن أمثلته شعرا قول المتنبي في مدح علي بن منصور الحاجب : أمهجّن الكرماء والمزري بهم * وتروك كلّ كريم قوم عاتبا خذ من ثناي عليك ما أسطيعه * لا تلزمنّي في الثناء الواجبا « 2 » وقول أبي فراس من قصيدتين مخاطبا سيف الدولة : فلا تحمل على قلب جريح . . . * به لحوادث الأيام ندب فلا تعدلنّ - فداك ابن عمّ * ك ، لا بل غلامك - عمّا يجب وقوله أيضا :

--> ( 1 ) الإصر : أصله الحمل الثقيل الذي يأصر صاحبه أي يلزمه مكانه ، والمراد التكاليف الشاقة . ( 2 ) المهجن : المقبح . والقصيدة التي منها هذان البيتان تدعى « القصيدة الدينارية » لأن الممدوح ، كما يقال ، لم يعط الشاعر عليها إلا دينارا واحدا