عبد العزيز عتيق

61

علم المعاني

المخاطب بمضمون الخبر أو شكه فيه أو إنكاره له هو ما يقتضيه الظاهر . ولكن إيراد الكلام أو الخبر لا يكون دائما وأبدا جاريا على مقتضى الظاهر ، فقد تجدّ اعتبارات تدعو المتكلم إلى أن يورد الكلام أو الخبر على صورة تخالف الظاهر ، أو على صورة تخرج به عن مقتضى الظاهر كما يقول البلاغيون . ومن الاعتبارات التي يلحظها المتكلم وتدعوه إلى الخروج بالكلام عن مقتضى الظاهر ما يلي : 1 - أن ينزّل خالي الذهن منزلة المتردد الشاكّ إذا تقدم في الكلام ما يشير إلى حكم الخبر ومضمونه . ومن هذا الضرب من الكلام قوله تعالى : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ . فالمتأمل في هذه الآية الكريمة يجد أن المخاطب بها خالي الذهن من الحكم أو من مضمون قوله تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، ولكن هذا الحكم لما كان مسبوقا بجملة وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ، وهي في مضمونها تشير إلى أن النفس محكوم عليها بشيء غير محبوب أو مرغوب فيه ، أصبح المخاطب بقوله تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ متطلعا إلى نوع هذا الحكم ، الذي يجهله ولا يدري حقيقته ، ومن أجل ذلك نزّل هذا المخاطب منزلة المتردد الشاكّ ، وألقي إليه الخبر مؤكدا استحسانا . ومن أمثلة هذا النوع من التنزيل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وقوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وقوله تعالى أيضا : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * . ومن أمثلته في الشعر قول عنترة : للّه درّ بني عبس لقد نسلوا * من الأكارم ما قد تنسل العرب وقول أبي الطيب المتنبي : ترفق أيها المولى عليهم * فإن الرفق بالجاني عتاب