عبد العزيز عتيق

37

علم المعاني

يصنع قصيدة أو ينشئ رسالة - وقد فاته هذا العلم - مزج الصفو بالكدر . . . واستعمل الوحشيّ العكر ، فجعل نفسه مهزأة للجاهل وعبرة للعاقل . . . وإذا أراد أيضا تصنيف كلام منثور أو تأليف شعر منظوم ، وتخطى هذا العلم ، ساء اختياره له ، وقبحت آثاره فيه ، فأخذ المرذول وترك الجيد المقبول ، فدل على قصور فهمه ، وتأخر معرفته وعلمه » « 1 » . على هدى من هذه التوطئة التي توضح الهدفين اللذين كانا - ولم يزالا - منشودين من وراء الدراسات البلاغية نتقدم إلى بيان أثر علم المعاني في بلاغة الكلام . ويمكن القول من البدء أن الأثر الذي يحدثه علم المعاني في بلاغة القول يتولد في الواقع من أمرين اثنين : بيان وجوب مطابقة الكلام لحال السامعين والمواطن التي يقال فيها ، والمعاني المستفادة من الكلام ضمنا بمعونة القرائن . * * * وتوضيحا للأمر الأول نقول : إن مباحث علم المعاني من شأنها أن تبين لنا وجوب مطابقة الكلام لحال السامعين والمواطن التي يقال فيها ، كما ترينا أن القول لا يكون بليغا كيفما كانت صورته حتى يلائم المقام الذي قيل فيه ، ويناسب حال السامع الذي ألقي عليه . فللمخاطب الذي يلقى إليه خبر من الأخبار مثلا ثلاث حالات : ففي الحالة الأولى قد يكون خالي الذهن من الحكم الذي هو مضمون الخبر ، وعندئذ تقتضي مطابقة الكلام لحاله أن يلقى إليه الخبر مجردا عن أي تأكيد . وفي الحالة الثانية قد يكون المخاطب على علم ما بالخبر ، ولكن علمه به يمتزج بالشك وله تطلع إلى معرفة الحقيقة ، وفي هذه الحالة وطبقا

--> ( 1 ) كتاب الصناعتين : ص 2 - 3 .