عبد العزيز عتيق
26
علم المعاني
والعجيب أنه لم يحدث بعده تغيير يذكر في هذين العلمين ، لأنه استطاع أن يستنبط من ملاحظات البلاغيين قبله كل القواعد البلاغية فيهما ، وكان ذلك إيذانا بأن تتحول تلك القواعد من بعده إلى قوانين جامدة . وقد فتن البلاغيون بعمله فراحوا يرددون كلامه ويقفون عنده لا يتجاوزونه إلى عمق أو ابتكار ، كأنما البحث في البلاغة قد انتهى بعبد القاهر الجرجاني . نقول ذلك لأن جهود البلاغيين من بعده انحصرت في جمع قواعد علوم البلاغة التي وضعها ، وفي ترتيب أبوابها ، واختصارها . وكان هذا الاختصار يصل أحيانا من الغموض والصعوبة إلى حيث يحتاج إلى شرح يوضح غامضه ، ويذلل صعابه ، فيقبل عليه الشراح ، ومنهم من يتوسع في الشرح إلى الحد الذي يجعل الإلمام بحقائق العلم أمرا عسيرا . وهكذا وصلت البلاغة نتيجة لذلك إلى أقصى ما يمكن من اختصارات وأقصى ما يمكن من شروح . ومن أوائل من اتجهوا إلى الاختصار والتلخيص الفخر الرازي « 606 ه » في كتابه « نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز » ، فقد اختصر فيه كتابي « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » لعبد القاهر . وفي ذلك يقول : « لما وفقني اللّه لمطالعة كتابي دلائل الإعجاز ، وأسرار البلاغة ، التقطت منهما معاقد فوائدهما ، وجمعت متفرقات الكلم / في الضوابط العقلية » . وظهر بجانب الرازي وفي عصره عالم ضرب بسهم وافر في الفلسفة والمنطق وأصول الفقه والاعتزال واللغة والبلاغة ، وكان له تأثير خطير على البلاغة العربية . ذلك العالم هو سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن محمد السكاكي المتوفى سنة 626 للهجرة ، صاحب كتاب « مفتاح العلوم » الذي جعله أربعة أقسام : قسما في علم الصرف ، وقسما في علم النحو ، وقسما في علوم البلاغة ، وقسما في علم الشعر .