عبد العزيز عتيق

21

علم المعاني

وازورّ من كان له زائرا * وعاف عافي العرف عرفانه « 1 » كذلك يشترط في فصاحة الكلام أو التركيب أن يسلم من التعقيد اللفظي الذي يترتب عليه خفاء الدلالة على المعنى المراد في الكلام بسبب تأخير الكلمات أو تقديمها عن مواطنها الأصلية ، أو بالفصل بين الكلمات التي يجب أن تتجاوز ويتصل بعضها ببعض ، وذلك كقول الفرزدق من قصيدة يمدح بها إبراهيم المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان : ما مثله في الناس إلا مملكا * أبو أمه حيّ أبوه يقاربه فالبيت كما ترى غير فصيح لضعف تأليفه الناشئ عن تعقيد ألفاظه وصعوبة استخلاص معناه . فالمعنى الذي حاول الفرزدق أن يعبر عنه في هذا البيت هو : وما مثله - يعني الممدوح - في الناس حي يقاربه - أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مملكا - يعني هشام بن عبد الملك بن أخت الممدوح - أبو أمه - أي أبو أم هشام - أبوه - أي أبو الممدوح . فالضمير في « أمه » للمملّك ، وفي « أبوه » للمدوح . فالشاعر في البيت قد فصل بين « أبو أمه » وهو مبتدأ ، و « أبوه » وهو خبر المبتدأ بأجنبي وهو « حي » . وكذلك فصل بين النعت والمنعوت « حي يقاربه » بأجنبي وهو « أبوه » ، ثم قدم المستثنى وهو « مملكا » على المستثنى منه ، وهو « حي يقاربه » . فنظم البيت كما نرى في غاية التعقيد اللفظي ، وكان من حق الناظم أن يقول : وما مثله في الناس أحد يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه . فالخلل في نظم كلمات البيت بالتقديم والتأخير ، وبالفصل بين الكلمات التي يجب تجاورها واتصال بعضها ببعض قد جعل الكلام غير ظاهر الدلالة على المعنى المراد .

--> ( 1 ) أزور عن الشيء : انحرف عنه وعدل . عاف : كره . عافي العرف : المحتاج إلى المعروف . العرف والعرفان : المعروف .