عبد العزيز عتيق

13

علم المعاني

« تسنأ » . ومع ما في هذه الألفاظ من القبح واللكنة فهو أعجم وشعره فصيح لتمام بيانه ، كقوله في رثاء المهلب بن المغيرة : قل للقوافل والقريّ إذا قروا * والباكرين وللمجدّ الرائح « 1 » إن المروءة والسماحة ضمنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح فإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الهجان وكل طرف سابح « 2 » فعلى هذا - كما يقول أبو هلال العسكري - تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين ، وذلك أن الفاصحة تمام آلة البيان فهي مقصورة على اللفظ ، لأن الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى ، والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب ، فكأنها مقصورة على المعنى . وقد استدل أبو هلال على أن الفصاحة تتضمن اللفظ والبلاغة تتناول المعنى بالببغاء ، فالببغاء يسمى فصيحا ولا يسمى بليغا ، إذ هو مقيم الحروف ، وليس له قصد إلى المعنى الذي يؤديه . ويرى أبو هلال كذلك أنه يجوز أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى ، سهل اللفظ ، جيد السبك ، غير مستكره فجّ ولا متكلف وخم ، ولا يمنعه من أحد الاسمين شيء ، لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف . ويذهب قوم إلى أن الكلام لا يسمى فصيحا حتى يجمع مع نعوت الجودة فخامة وشدة جزالة ، فإذا جمع الكلام نعوت الجودة ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة سمي بليغا ولم يسم فصيحا ، ويضربون لذلك مثلا قول إبراهيم بن العباس الصولي :

--> ( 1 ) القري : كل شيء على طريق واحد . إذا قروا : إذا ساروا في الأرض . ( 2 ) العقر : قطع قوائم الفرس أو البعير أو الشاة بالسيف تمكينا من نحرها وذبحها . وكان العرب يعقرون الإبل على قبور الموتى ، أي ينحرونها ، ويقولون : إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته . كوم الهجان : الإبل الكريمة البيضاء الضخمة السنام . الطرف : الكريم من الخيل .